نجمتى – أهلاً بك في عالم رائع من نجمتى دوت كوم

أهلاً بك في عالم رائع من نجمتى دوت كوم

قضايا ( المجتمع )

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

طبيعة النمو الإنساني

ما النمو؟

ما النمو؟ إن معظم دارسي هذا الموضوع -كغيرهم من دارسي الفروع الأخرى من علم النفس- يختلفون عن دارسي العلوم الطبيعية والبيولوجية, في أنهم يشعرون بأن موضوعهم مألوفٌ لديهم قبل البدء في أي دراسة منظمة له، فنحن جميعًا نعرف شيئًا عن أنفسنا في مراحل عمرنا المختلفة, وكلٌّ منا لاحظ عن قرب شخصًا آخر ينمو، طفلًا أو شابًا أو راشدًا أو كهلًا أو شيخًا، وكثيرون منا ساهموا في هذه العملية من خلال أدوار الوالدية, أو عمليات التنشئة والتطبيع، ومعظمنا سمع البرامج, وشاهد الأفلام, وقرأ ما هو شائع عن تقدم الإنسان وتدهوره في مختلف مراحل حياته، ولهذا السبب ربما يكون موضوع النمو هو الموضوع الوحيد من بين موضوعات مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية الذي يجعل قارئه مشاركًا مع كاتبه في حوار دائم، يتفق معه ويختلف، بل قد يشعر في كثير من الأحيان أن خبرته الشخصية لا تدعم النتائج التي تَمَّ التوصل إليها.
إلَّا أن الألفة الشديدة بموضوع البحث قد تكون عائقًا أكثر منها ميزة؛ فهناك خطر حقيقيٌّ على الفهم العلمي عندما يقترب المرء من موضوع البحث مزودًا بأفكار مسبقة راسخة عنه، وخاصة إذا كانت هذه الأفكار هي من نوع المعتقدات الشائعة في الحكمة الشعبية أو الفهم العام, وبالطبع فإن الفهم العام قد يتفق أحيانًا مع الملاحظة العلمية, إلّا أنه في كثير من الأحيان لا يتفق, خذه بعض الأمثلة على ذلك: يذكر الفولكلور التربوي أن الأطفال الذين يحظون بالاهتمام الوالديّ المباشر عند كل صيحة تصدر عنهم, سوف يصبحون مدلَّلِين معتمدين. كما يذكر أيضًا

إنه إذا غابت العصا “أي: العقاب” يفسد الطفل. ويذكر ثالثًا أن الأطفال الذين ينشأون وسط عائلات كبيرة يكون محصولهم اللغوي أكبر من أطفال الأسر الصغيرة, ناهيك أنه قد ظهرت على مدى التاريخ الإنساني وجهات نظر متباينة حول طبيعة الطفل، ومن ذلك مثلًا: هل يولد الطفل وشخصيته الأساسية كاملة التكوين؟ أم أن هذه الشخصية تحددها أساليب التنشئة الاجتماعية وخاصة التنشئة الوالدية؟ هل الأطفال متوحشون صغار؟ ودور المجتمع أن يعلمهم السلوك المدني؟ أم أنهم يولدون كائنات أخلاقية ويعلمهم المجتمع الجشع والأنانية؟ هذه بعض أفكار الفهم العام التي لا يوجد دليل علمي يدعمها، بل إن بعضها توجد حوله ثروة من الأدلة التي تدحضه.
ولم يتطور العلم إلّا عندما أنشأ مناهجه في البحث وطرقه في الدراسة, والتي بها نزداد فهما للقضايا الخلافية، فالخبرة الشخصية والفهم العام قد يكون نقطة البداية في دراسة النمو، إلّا أن اللجوء إلى الملاحظة العلمية المنظمة يساعد على ترشيد فهمنا لنمو السلوك الإنساني على أساس أدلة الواقع وشواهده، بالإضافة إلى أنها تعيننا على تغيير نظرتنا, وتوسيع آفاق وعينا، وكلما ازددنا تعلمًا بالأسلوب العلمي, يمكننا أن نرى أبعادًا جديدة في التفاصيل الكثيرة المألوفة في دورة الحياة الإنسانية.
علم نفس النمو
:

النمو الإنساني أرض مشتركة لعدد من العلوم الإنسانية الاجتماعية والبيولوجية الفيزيائية، وتشمل علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم الأجنة وعلم الوراثة وعلم الطب، إلّا أن علم النفس يقف بين هذه العلوم بتميزه الواضح يتناول هذه الظاهرة, وأنشأ فرعًا منه يختص بدراستها, هو علم نفس النمو “أو علم النفس الارتقائي, كما يسمى أحيانًا” Developmental psychology, ومع ذلك فإن تنوع المعارف التي زودتنا بها العلوم الأخرى، ووفرة هذه المعلومات تدعونا إلى وصف هذا المجال بأنه من نوع المجالات العلمية المشتركة Interdisciplinary, التي يحتاج أصحابها إلى كل ما توفر مصادر المعرفة الأخرى الوثيقة الصلة به.
وعلم نفس النمو هو فرع علم النفس الذي يهتم بدراسة التغيرات التي تطرأ على سلوك الإنسان من المهد -بل وقبله- إلى اللحد, ويحدد بجنر “Bigner, 1983: 5” الاهتمامات التي تشغل العلماء في هذا الميدان بالأسئلة العشرة الآتية:

“1” ما نمط التغير الذي يطرأ على الإنسان مع نموه؟
“2” ما التنظيم الذي تتخذه حياة الإنسان في دورتها الكلية أو مداها الكامل؟
“3” ما الخصائص المميزة للنمو في كل مرحلة من مراحل دورة الحياة؟
“4” ما الذي نتوقعه من الفرد في كل مرحلة من مراحل حياته؟
“5” ما درجة الاتساق في التغير من مرحلة إلى أخرى في حياة الإنسان؟
“6” ما درجة العمومية والتفرد في الشخصية الإنسانية في مراحل حياة الإنسان المختلفة؟
“7” ما الذي يمكن أن نقدمه للإنسان حتى يفهم مسيرة حياته تجنبًا لمشاعر القلق أو الخوف من المستقبل؟
“8” ما الذي يمكن أن تقدمه دراستنا لنمو سلوك الآخرين في فهم نمونا الذتي؟
“9” ما العوامل والقوى والمتغيرات التي تؤثر في النمو الإنساني عبر مدى الحياة؟
“10” ما الذي يمكن أن تقدمه دراسة النمو في مواجهة متطللبات الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل؟
وقد حاول علماء النفس الإجابة على بعض هذه الأسئلة طوال أكثر من مائة عام انقضت حتى الآن “عام 1998” منذ النشأة العلمية المنظمة لعلم نفس النمو.
وفي كل مرحلة من مراحل نمو هذا العلم سادت بعض الاهتمامات وتضاءلت أخرى.
فعندما ظهر هذا العلم في أواخر القرن التاسع عشر, كان تركيزه على فترات عمرية خاصة, وظلَّ على هذا النحو لعقود طويلة متتابعة, وكانت الاهتمامات المبكرة مقتصرة على أطفال المدارس، ثم امتدَّ الاهتمام إلى سنوات ما قبل المدرسة، وبعد ذلك إلى سن المهد “الوليد والرضيع”، فإلى مرحلة الجنين “مرحلة ما قبل الولادة”.
وبعد الحرب العلامية الأولى بقليل, بدأت البحوث حول المراهقة في الظهور والذيوع, وخلال فترة ما بين الحربين ظهرت بعض الدراسات حول الرشد المبكر، إلّا أنها لم تتناول النمو في هذه المرحلة بالمعنى المعتاد، بل ركزت على قضايا معينة مثل ذكاء الراشدين وسمات شخصياتهم, ويذكر مايلز miles, 1933″ أنه حتى عام 1933 لم تتجاوز بحوث سيكولوجية النمو السنوات الخمس والعشرين الأولى من حياة الإنسان، بينما تركت السنوات الخمسون أو الستون التالية “والتي

تشمل مراحل الرشد والشيخوخة” للتراث القصصي والفولكلور النفسي والاجتماعي والانطباعات الشخصية.
ومنذ الحرب العالمية الثانية ازداد الاهتمام التدريجي بالرشد، وخاصةً مع زيادة الاهتمام بحركة تعليم الكبار, أما الاهتمام بالمسنين فلم يظهر بشكلٍ واضحٍ إلّا منذ مطلع الستيات من هذا القرن، وكان السبب الجوهري في ذلك الزيادة السريعة في عددهم, ونسبتهم في الإحصاءات السكانية العامة، وما تتطلب ذلك من دراسة لمشكلاتهم, وتحديد أنواع الخدمات التي يجب أن توجه إليهم.
وتذكر هيرلوك “Hurlock, 1980” سببين جوهرين لهذا الاهتمام غير المتكافئ بمراحل العمر المختلفة في مجال علم نفس النمو هما:
1- الحاجة إلى حل المشكلات العملية التطبيقية:
من الدوافع الهامة التي وجَّهَت البحث في مجال علم نفس النمو الضروروات العملية, والرغبة في حلِّ المشكلات التي يعاني منها الأفراد في مرحلة عمرية معينة, ومن ذلك أن بحوث الطفولة بدأت في أصلها للتغلب على الصعوبات التربوية والتعليمية لتلاميذ المدرسة الابتدائية، ثم توجهت إلى المشكلات المرتبطة بطرق تنشئة الأطفال على وجه العموم، ووجّه البحث في محلة المهد الرغبة في معرفة ما يتوافر لدى الوليد من استعدادات يولد مزودًا بها، أما البحث في مرحلة الرشد فقد وجهه الدافع إلى دراسة المشكلات العملية المتصلة بالتوافق الزواجي, وأثر تهدم الأسرة على الطفل, وقد أشرنا فيما سبق إلى العوامل التي وجهت البحث في مجال الشيخوخة.
2- الصعوبات المنهجية في دراسة بعض مراحل العمر:
على الرغم من الاهتمام بدراسة المراحل المختلفة لدورة الحياة لدى العامة المتخصصين على حدٍّ سواء، إلّا أن البحث في بعض هذه المراحل عاقته بعض الصعوبات المنهجية، فالحصول على عينات البحث مثلًا أسهل في حالة تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، وتؤثر بعض الاتجاهات الوالدية في تعويق البحث في بعض المراحل، كأن ترفض الأمهات والآباء تعرض أطفالهم الرضع للبحث العلمي خوفًا عليهم من الأذى، وبالإضافة إلى ذلك, فإن الحصول على المعلومات من الراشدين سواء بتطبيق الاختبارات عليهم, أو إجراء المقابلات الشخصية معهم دونه خرط القتاد، وتزداد هذه الصعوبة مع تقدم الإنسان في السن، ولعل هذا يفسر لنا تركيز بحوث المسنين الحديثة على المودعين بمؤسسات الرعاية، وهم عادةً لا يمثلون الأصل الإحصائي العام في المجتمع.

يمكن القول أن لسيكولوجية النمو هدفين أساسيين: أولهما الوصف الكامل والدقيق قدر الإمكان للعمليات النفسية عند الناس في مختلف أعمارهم, واكتشاف خصائص التغير الذي يطرأ على هذه العمليات في كل عمر. وثانيهما تفسير التغيرات العمرية “الزمنية” في السلوك, أي: اكتشاف العوامل والقوى والمتغيرات التي تحدد هذه التغيرات، والهدف الثاني حديث نسبيًّا، فمن الوجهة التاريخية يمكن القول أن البحث في هذا الميدان منذ نشأته حتى وقتنا الحاضر, تركز على دراسة طبيعة التغير ومعدلاته في الجوانب المختلفة للسلوك؛ مثل: القدرة الحسية والحركية، ووظائف الإدراك والذكاء, والاستجابات الاجتماعية والانفاعالية وغيرها, وهي جميعًا تدخل في باب الوصف, وقد ازداد الاهتمام في السنوات الأخيرة بهدف التفسير, ثم أضيفت أهداف أخرى تتصل بالرعاية والمعاونة والتحكم والتنبؤ، أو باختصار التدخل في التغيرات السلوكية.
1- وصف التغيرات السلوكية:
على الرغم من أن هدف الوصف هو أبسط أهداف العلم إلّا أن أكثرها أساسية، فبدونه يعجز العلم عن التقدم إلى أهدافه الأخرى، والوصف مهمته الجوهرية أن يحقق للباحث “فهمًا” أفضل للظاهرة موضع البحث. ولذلك, فالباحث في علم نفس النمو عليه أن يجيب أولًا على أسئلة هامة مثل: متى تبدأ عملية نفسية معينة في الظهور؟ وما هي الخطوات التي تسير فيها, سواءً نحو التحسن أو التدهور؟ وكيف تؤلف مع غيرها من العمليات النفسية الأخرى أنماطًا معينة من النمو؟
خذ مثلًا على ذلك: إننا جميعًا نلاحظ تعلق الرضيع بأمه، وأن الأم تبادل طفلها هذا الشعور، والسؤال هنا: متى يبدأ شعور التعلق attachment في الظهور؟ وما هي مراحل تطوره؟ وهل الطفل المتعلق بأمه تعلقًا آمنًا يكون أكثر قدرة على الاتصال بالغرباء, أم أن هذه القدرة تكون أكبر لدى الطفل الأقل تعلقًا بأمه؟ هذه وغيرها أسئلة من النوع الوصفي.
ويجاب عن هذه الأسئلة بالبحث العلمي الذي يعتمد على الملاحظة، أي: من خلال مشاهدة الأطفال والاستماع إليهم، وتسجيل ملاحظتنا بدقة وموضوعية.
وكانت أقدم الملاحظات المنظمة المسجلة التي تتعلق بنمو الأطفال ما يسمى: “سير الأطفال”, والتي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر, وخلال القرن التاسع

عشر، وتتلخص في وصف نمو طفل واحد “هو في العادة ابن الباحث أو قريبه” في محاولة لتتبع التغيرات في النواحي الحسية والحركة واللغوية والقدرة العقلية.
وعلى الرغم من أن هذه الأعمال لا تعد من نوع الملاحظات العلمية؛ لأنها تتسم بالتحيز والانتقائية, إلّا أنها أثارت اهتمامًا كبيرًا بدراسة الأطفال, وبالمشكلات الجوهرية في سيكولوجية النمو.
وفي نهاية القرن التاسع عشر, أجرى عالم النفس الأمريكي ج. ستانلي هول, أول بحث منظم حول ما أسماه: “محتويات عقول الأطفال”، وقد استخدم لأول مرة مجموعة من الأسئلة يمكن أن يجيب عنها كتابة مجموعات كبيرة من الأطفال. وأعدت هذه “الاستخبارات” لجمع معلومات عن سلوك الأطفال والمرهقين، واتجاهاتهم وميولهم, وقد كان غرض هول -مثل غرض كتاب سير الأطفال- وصف طبيعة “محتويات العقول” وصفًا دقيقًا، ويشمل ذلك الأفكار والمشاعر والانفعالات.
وبزيادة الاهتمام بميدان سيكولوجية النمو ابتكر علماء النفس طرقًا أفضل, وجمعوا بيانات أدق تصف لنا الجوانب المختلفة للنمو, وقد زودتنا نتائج هذه البحوث الوصفية بثروة هائلة من الحقائق الجزئية التفصيلية إلى حد يدفعنا إلى القول بأنه: لا يوجد فرع آخر من فروع علم النفس توافر له ما توافر لعلم نفس النمو من تفاصيل ودقائق المعرفة.
والغرض الذي يسعى إليه الوصف في العلم هو تحقيق درجة عالية من الفهم، ولا شك أن ما يعيننا على مزيد من الفهم, أن ملاحظتنا الوصفية في مجال علم نفس النمو لا تكون عادة منفصلة، وإنما تتخذ في الأغلب صورة النمط أو المتوالية، وحالما يستطيع الباحث أن يصف اتجاهات نمائية معينة, ويحدد موضع الطفل أو المراهق أو الراشد فيها, فإنه يمكنه الوصول إلى الأحكام الصحيحة حول معدل نموه، وهكذا نجد أن هدف الوصف في علم نفس النمو يمر بمرحلتين أساسيتين؛ أولاهما: الوصف المفصل للحقائق النمائية، وثانيتهما: ترتيب هذه الحقائق في اتجاهات أو “أنماط” وصفية كما يسميها فشبن “Fishbein, 1984: 7”, وهذه الأنماط قد تكون متآنية في مرحلة معينة، أو متتابعة عبر المراحل العمرية المختلفة.
2- تفسير التغيرات السلوكية:
الهدف الثاني لعلم نفس النمو هو التعمق فيما وراء الأنماط السلوكية التي تقبل الملاحظة، والبحث عن أسباب حدوثها, أي: هدف التفسير, والتفسير يعين الباحث على تعليل الظواهر موضع البحث من خلال الإجابة على سؤال: لماذا؟ بينما

الوصف يجب على السؤال: ماذا؟ وكيف؟

وقد ظلَّ وصف اتجاهات النمو هدفًَا سائدًا في هذا الميدان لسنوات طويلة، ولم تتحول البحوث إلّا في الربع الأخير من القرن العشرين إلى الهدف الثاني, وهو تفسير التغيرات السلوكية التي نلاحظها مع تقدم الإنسان في العمر. ومن الأسئلة التفسيرية: لماذا يتخلف الطفل في المشي, أو يكون أكثر طلاقة في الكلام، أو أكثر قدرة على حل المشكلات المعقدة بتقدمه في العمر؟ وإلى أيّ حدٍّ ترجع هذه التغيرات إلى “الفطرة” التي تشمل فيما تشمل الخصائص البيولوجية والعوامل الوراثية ونضج الجهاز العصبي، أو إلى “الخبرة” أي: التعلم واستثارة البيئة؟
والإجابة على مثل هذه الأسئلة تتطلب من الباحث أن يسير في اتجاهين؛ أحدهما: يجيب على السؤال: لماذا تبدأ متوالية سلوكية معينة في الظهور؟ وثانيهما: لماذا تستمر هذه المتوالية السلوكية في النمو؟ وعادة ما تبدأ الإجابة بتقصي الدور النسبي للفطرة “الوراثة”, والخبرة “البيئة”.
فمثلًا إذا كان الأطفال المتقدمون في الكلام في عمر معين يختلفون وراثيًّا عن المتخلفين نسبيًّا فيه, نستنتج من هذا أن معدل التغير في اليسر اللغوي يعتمد ولو جزئيًّا على الوراثة, أما إذا كشفت البحوث عن أن الأطفال المتقدمين في الكلام يلقون تشجيعًا أكثر على إنجازهم اللغوي, ويمارسون الكلام أكثر من غيرهم, فإننا نستنتج أن التحسن في القدرة اللغوية الحادث مع التقدم في العمر يمكن أن يعزى -جزئيًّا على الأقل- إلى الزيادة في الاستثارة البيئية.
وفي الأغلب نجد أن من الواجب علينا لتفسير ظواهر النمو أن نستخدم المعارف المتراكمة في ميادين كثيرة أخرى من علم النفس وغيره من العلوم؛ مثل: نتائج البحوث في مجالات التعلم والإدراك والدافعية, وعلم النفس الاجتماعي, وسيكولوجية الشخصية, والوراثة, وعلم وظائف الأعضاء “الفسيولوجيا”, والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع.
وإليك بعض الأمثلة على العلاقات بين هذه الموضوعات المتعددة؛ فبعض الخصائص مثل المظهر الجسمي ومعدلات النمو الجسمي والذكاء, وبعض صور الضعف العقلي والمرض العقلي, تتحدد جزئيًّا بالوراثة، ولكي نفهم هذه النواحي فهمًا كاملًا, فإن الأخصائي في سيكولوجية النمو يحتاج إلى بعض المعلومات من علم الوراثة, كما أن التغيرات الجسمية والسلوكية السريعة التي تحدث في فترة المراهقة تتحدد كثيرًا بعمليات فسيولوجية أساسية, منها نشاط الغدد الصماء, والكيمياء الحيوية لجهاز الدم في الجسم، ولبحث هذه الظواهر يجب على علم

النفس أن يحصل على نتائج علم الفسيولوجيا وعلم الغدد الصماء، ومن البحوث التي تجرى في ميدان طب الأطفال تحصل على معلومات هامة عن تأثيرات المرض وسوء التغذية والعقاقير في النمو الجسمي والنفسي.
وكثير من دوافع الشخص ومشاعره واتجاهاته وميوله, تتحدد إلى حدٍّ كبير بالجماعة التي ينتمي إليها, سواء كانت طبقة اجتماعية, أو جماعة دينية, أو جغرافية, أو عنصرية، وقد قدَّم لنا علم الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع حقائق هامة عن أثر البيئة الاجتماعية والثقافة في نمو الشخصية, وفي النمو الاجتماعي للإنسان.
ومن الواضع من هذا كله أن الفهم الشامل لسيكولوجية النمو, والتغيرات النمائية والميكانيزمات والعمليات المحددة له, يتطلب تكامل أنواع عديدة من المعارف التي نحصل عليها من مصادر متعددة للعلم.
وحتى يمكننا الحكم على نتائج البحوث التي أجريت في ميدان النمو, يجب أن نميِّز دائمًا بين الوصف والتفسير؛ فالظواهر يجب أن توصف قبل أن تفسير، ولكن الوصف في حدِّ ذاته لا يعطينا تعليلًا يوضح لماذا تحدث الظاهرة, أو يشرح العوامل أو المحددات التي تؤثر فيها. خذ مثلًا على ذلك إذا وجد الباحث أن الطفل من سن 3 سنوات يميل إلى أن يصبح أكثر ميلًَا إلى السلوك السلبي والمعارضة والعناد من طفل سن الثالثة, هذه النتيجة هي مجرد وصف، ولا تعطي أي معلومات عن الأسباب التي تؤدي بالطفل إلى هذا السلوك, وأخطر ما في الأمر أن يميل المرء إلى تفسير سلوك هذا الطفل في ضوء العمر الزمني وحده، وكأنه بذلك يقول: إن الطفل يميل إلى المعارضة لأن عمره ثلاث سنوات, إن هذه العبارة ليست دقيقة علميًّا, كما أنها ليست مقنعة منطقيًّا.
3- التدخل في التغيرات السلوكية:
الهدف الثالث من أهداف الدراسة العلمية لنمو السلوك الإنساني هو التدخل في التغيرات السلوكية سعيًا للتحكم فيها, حتى يمكن ضبطها وتوجيهها والتنبؤ بها.
ولا يمكن أن يصل العلم إلى تحقيق هذا الهدف إلّا بعد وصف جيد لظواهره وتفسيرٍ دقيق صحيح لها من خلال تحديد العوامل المؤثرة فيها, لنفرض أن البحث العلمي أكد لنا أن التاريخ التربوي الخاطيء للطفل يؤدي به إلى أن يصبح بطيئًَا في عمله المدرسي، ثائرًا متمردًا في علاقاته مع الأفراد، إن هذا التفسير يفيد في أغراض العلاج؛ من خلال تصحيح نتائج الخبرات الخاطئة، والتدريب على مهارات التعامل الاجتماعي مع الآخرين، وقد يتخذ ذلك صورًا عديدة لعل أهمها

التربية التعويضية Compensatory education, والتعلم العلاجي Rmedial Learning.

ولعل هذا الهدف يقودنا إلى مهمة عاجلة لسيكولوجية النمو، وهي مهمة الرعاية والمساعدة, والمتخصص في علم نفس النمو لا يستطيع ذلك إلّا إذا توافر له من الفهم من خلال الوصف والقدرة على التعليل من خلال التفسير ما يمكِّنُه من اقتراح نوع الرعاية المناسبة, وبالطبع فإن الرغبة في المساعدة والرعاية يشترك فيها الأخصائي النفسي مع آخرين غيره؛ منهم الآباء والأمهات والمعلمون والأطباء والممرضون والأخصائيون الاجتماعيون والدعاة والوعاظ والإعلاميون, ومهمة علم نفس النمو أن يقدم لهؤلاء وغيرهم الفهم الواضح, والتعليل الدقيق لظواهر النمو الإنساني.

[خصائص النمو الإنساني]

حتى يتوجه فهمنا لطبيعة النمو الإنساني وجهةً صحيحةً نعرض فيما يلي الخصائص الجوهرية لهذه العملية الهامة.
1- النمو عملية تغير:
كل نمو في جوهره تغير، ولكن ليس كل تغير يعد نموًّا حقيقيًّا, وتستخدم كلمة نمو في التراث السيكولوجي العربي المعاصر ترجمة لكلمة Development، ولو أنها ليست الترجمة الدقيقة، فالأصح أن تترجم هذه الكلمة الإنجليزية بكلمة “تنمية”, وهناك ترجمة محدودة للكلمة بمعنى: “ارتقاء”, حين يستخدم مصطلح “علم النفس الارتقائي”، ترجمة لعبارة Developmental Psychology كما أشرنا. وفي هذا الصدد قد يقتصر استخدام كلمة نمو على أن تكون ترجمة لكلمة Growth, والتي يقصر البعض استخدامها على الزيادة الإضافية في مقدار الخاصية أو الصفة السلوكية.
وعمومًا يمكن القول أن علم نفس النمو يهتم بالتغيرات السلوكية التي ترتبط ارتباطًا منتظمًا بالعمر الزمني, فإذا كانت هذه التغيرات تطرأ على النواحي البيولوجية والفسيولوجية والنيرولوجية, وتحدث في بنية الجسم الإنساني ووظائف أعضائه نتيجة للعوامل الوراثية “الفطرة” في أغلب الأحيان، فإن هذه التغيرت تسمى نضجًا Maturation, أما إذا كانت هذه التغيرات ترجع في جوهرها إلى آثار الظروف البيئية “الخبرة”, تسمى تعلمًا Learing

وفي كلتا الحالتين: النضج والتعلم, قد تدل التغيرات على تحسن أو تدهور, وعادة ما يكون التدهور في الحالتين في المراحل المتأخرة من العمر “فؤاد أبو حطب 1972، 1975”.
وهكذا يمكن القول أن المعنى السابق لكلمتي “تنمية” و”ارتقاء”, متضمن في استخدام كلمة “نمو”, الأكثر شيوعًا واستخدامًا في اللغة السيكولوجية العربية، ولهذا فإن موقفنا في هذا الكتاب هو اسخدام كلمة “نمو” لتدل على التغيرات الارتقائية أو التنموية التي أشرنا إليها, ولعل مما يفيد أغراض هذا الاستخدام أن من معاني كلمة Development الإنجليزية, كلمات مثل: نمو Growth, وتطور Evolution, وفيهما لا تتبع حالة معينة حالة أخرى فحسب، وإنما لا بد أيضًا أن تنبثق الحالة الراهنة من حالة سابقة, وقد يكون النمو أو التنمية في هذه الحالة تدريجيًّا “أي: تطور”, أو تحوليًّا “أي: ثورة” Revolution.
أما التغيرات غير النمائية, فإنها على العكس تعد نوعًا من حالة الانتقال التي لا تتطلب ثورة, أو تطورًا, أو تنمية بالمعنى السابق؛ فالشخص قد يغير ملابسه إلّا أن ذلك لا يعني نموًّا, فتتابع الأحداث في هذا المثال لا يتضمن وجود علاقة بين الحالة الراهنة للشخص وحالته السابقة, ومن السخف، بل من العبث، أن نفترض مثلًا أن ملابس الشخص التي كان يرتديها في العام الماضي نمت بالتطور أو الثورة إلى ما يرتديه الآن.
وهناك خاصية أخيرة في التغيرات النمائية أنها شبه دائمة باعتبارها نتاج كلٍّ من التعلم والنضج، وفي هذا تختلف عن التغيرات المؤقتة أو العارضة أو الطارئة؛ مثل: حالات التعب أو النوم أو الوقوع تحت تأثير مخدر، فكلها ألوان من التغير المؤقت في السلوك, ولكنها ليست نموًّا؛ لأن هذه التغيرات جميعًا تزول بزوال العوامل المؤثرة فيها, وتعود الأحوال إلى ما كانت عليه من قبل.

2- النمو عملية منتظمة:

توجد أدلة تجريبية على أن تغيرات النمو تحدث بطريقة منتظمة، على الأقل في الظروف البيئية العادية, ومن هذه الأدلة ما يتوافر من دراسة الأطفال المبتسرين “الذين يولدون بعد فترة حمل تقل عن 38 أسبوعًا”, والذين يوضع الواحد منهم في محضن يتشابه مع بيئة الرحم لاكتمال نموه كجنين، فقد لوحظ أنهم ينمون بيولوجيًّا وفسيولوجيًّا وعصبيًّا بنفس معدل نمو الأجنة الذين يبقون في الرحم نفس الفترة الزمنية.
وتحدث تغيرات منتظمة مماثلة بعد الولادة, واشهر الأدلة على ذلك جاء من بحوث جيزل وزملائه الذين درسوا النمو الحركي للأطفال في السنوات الأولى من حياتهم, فقد لاحظوا الأطفال في فترات منتظمة, وفي ظروف مقننة, ووصفوا سلوكهم وصفًا دقيقًا, ووجدوا نمطًا تتابعيًّا للنمو الحركي، حتى أن جيزل اقترح لوصف هذ التتابع المنتظم الثابت تسمية خاصة هي “المورفولوجيا النفسية”. ومن أمثلة ذلك “الاتجاه من أعلى إلى أسفل” الذي أشار إليه كوجهل وغيره، و”الاتجاه من الوسط إلى الأطراف”, كما تظهر خصائص الانتظام في سلوك الحبو والوقوف والمشي واستخدام الأيدي والأصابع والكلام, هذه الألوان من السلوك تظهر في معظم الأطفال بترتيبٍ وتتابعٍ يكاد يكون واحدًا؛ ففي نضج المهارات الحركية عند الأطفال نجد أن الجلوس يسبق الحبو، والحبو يسبق الوقوف، والوقوف يسبق المشي, وهكذا. فكل مرحلة تمهد الطريق للمرحلة التالية، وتتابع المراحل على نحو موحد.
وقد تثير هذه الخاصية مرةً أخرى مسألة العلاقة بين النمو والعمر الزمني التي أشرنا إليها في وصفنا للتغيرات النمائية, لقد أدَّى ذلك بكثير من الباحثين إلى الاهتمام بوضع قوائم بالأحداث التي تطرأ على حياة الإنسان مع تقدمه في العمر.
ومع ذلك لم يقدم ذلك الجهد إسهامًا يذكر في فهمنا لطبيعة عملية النمو, والأجدى بالطبع هو وصف الأنماط السلوكية التي تنتج عن التكامل بين الذخيرة السلوكية المتوافرة لدى الفرد في وقت ما, والخبرات الجديدة التي يتعرض لها, ولهذا نجد كيسن “Kessen, 1960” يقول: إن العمر في حد ذاته ليس هو المعادل الموضوعي للنمو, والعمر -في رأينا- ليس “زمنًا أجوف”، كما أن النمو لا يمكن أن يحدث في “فراغ زمني” وإنما يحدث فيه دائمًا هذا التفاعل والتكامل بين الخبرة الراهنة والبنى السلوكية التي تكونت من قبل لدى الفرد، وهو التفاعل والتكامل الذي يؤدي إلى تغيير طريقة الفرد في التفاعل مع البيئة, وعلى نحوٍ يؤدي به إلى مستويات أعلى من هذا التفاعل والتكامل “في حالة التحسن”, أو إلى مشتويات أدنى منهما “في حالة التدهور”، وهما وجها النمو. والخلاصة هنا أن النمو الإنساني يحدث في فترة محددة من الزمن، إلّا أن الزمن وحده ليس شرطًا كافيًا لحدوث النمو, وباختصار نقول: إن التغيرات النمائية هي المحتوى السلوكي للزمن.

3- النمو عملية كلية:

يلجأ بعض مؤلفي كتب النمو إلى تناول الموضوع حسب مظاهر النمو ومجالاته، فيخصصون فصولًا أو كتبًا كاملة حول النمو الجسمي أو النمو العقلي أو النمو الوجداني أو النمو الاجتماعي عبر عدة مراحل لحياة الإنسان, وهذا أسلوب له حدوده، فقد يوحي بأن المكونات الجسمية والعقلية والاجتماعية والوجدانية الانفعالية من النشاط الإنساني, أو الشخصية الإنسانية, يمكن الفصل بينها, وتداول كل منها على أنه مظهر مستقل بالفعل, وهذا بالطبع مستحيل؛ فالنمو عملية كلية Holistic تحدث مظاهرها كلها متآنية وبينها علاقات متداخلة. والتركيز على تحليل المكونات قد يوقع القارئ في خطأ تجاهل ما يجب أن تكون عليه كل مرحلة من مراحل الحياة من تكامل واتساق.
وأيّ مبتدئ في علم النفس يعلم أن تحليل النمو إلى مكوناته هو أمر اصطناعي، على الرغم من أهميته. فالباحثون الذين يعملون في أي مجال من مجالات النمو, يلاحظون أن التغير في أحد مظاهر النمو له تضميناته وآثاره في المظاهر الأخرى؛ فالنمو اللغوي لا يعتمد فقط على المهارات اللغوية والنمو العقلي, وإنما يعتمد في كثير من جوانبه على النمو الاجتماعي والوجداني للطفل, وعلى ذلك فمن الواجب على المهتم بعلم نفس النمو أن يتبع منهجه التحليلي بنظرة تركيبية, وإلّا افتقد “وحدة” الشخصية، “وتكامل” السلوك. وقد وصف أحد مؤلفي هذا الكتاب دور كل من التحليل والتركيب في دراسة السلوك الإنساني في موضع آخر “فؤاد أبو حطب، 1996”, وفي جميع الأحوال يجب أن نكون على وعيٍ بأن الكائن الإنساني هو مخلوق جسمي ومعرفي ووجداني واجتماعي في آنٍ واحد، وكل مكون من هذه المكونات يعتمد -جزئيًّا على الأقل- على التغيرات التي تحدث في المكونات الأخرى.
وعلى الرغم من أن المنحى الكليّ في النظر إلى النمو يعود بأصوله إلى سمتس عام 1962. “Smuts, 1926”, حين نحت مصطلح Holism, إلّا أن توظيفه في علم نفس النمو لم يظهر بشكل جادٍّ إلّا على يد شوستر وآشبورن “Schuster & Ashburn 1992”, والذي ظهر في الطبعة الأولى من كتابهما عام 1980, وعندهما أن المنظور الكلي يجب أن يتسع ليشمل المنحى التكاملي Inregrated في دراسة النمو الإنساني, والذي يتطلب دراسة أسرة الفرد وتاريخه وبيئته وأهدافه وأدواره, ولعل هذا يذكرنا بالمنظور التكاملي للنمو الذي قدمه عالم النفس المصري الرائد يوسف مراد, منذ أواخر الأربعينيات, وهو ما تناوله أحد مؤلفي هذا الكتاب في دراسة مستقلة “فؤاد أبو حطب 1996”.

4- النمو عملية فردية:

يتسم النمو الإنساني بأنَّ كل فرد ينمو بطريقته وبمعدله، ومع ذلك فإن الموضوع يخضع للدراسة العلمية المنظمة، فمن المعروف أن البحث العلمي يتناول حالات فردية من أي ظاهرة فيزيائية أو نفسية، ثم يعمم من هذه الحالات إلى الظواهر المماثلة، إلّا أن شرط التعميم العلمي الصحيح أن يكون عدد هذه الحالات عينة ممثلة للأصل الإحصائي الذي تنتسب إليه, وبالطبع فإن هذا التعميم في العلوم الإنسانية يتم بدرجة من الثقة أقل منه في العلوم الطبيعية, وذلك بسبب طبيعة السلوك الإنساني, الذي هو موضوع البحث في الفئة الأولى من هذه العلوم.
والنمو الإنساني -على وجه الخصوص- خبرة فريدة، ولهذا فإن ما يسمى القوانين السلوكية قد لا تطبق على كل فرد بسبب تعقد سلوك الإنسان، وتعقد البيئة التي يعيش فيها، وتعقد التفاعل بينهما, ومن المعلوم في فلسفة العلم أن التعميم لا يقدِّم المعنى الكلي للقانون إذا لم يتضمن معالجة مفصلة لكل حالة من الحالات التي يصدق عليها, ومعنى هذا أن علم نفس النمو له الحق في الوصول إلى قوانينه وتعميماته، إلّا أننا يبقى معنا الحق دائمًا في التعامل مع الإنسان موضع البحث فيه على أنه كائن فريد, ولعلنا بذلك نحقق التوازن بين المنحى الناموسي العام Nomothtic, والمنحى الفردي الخاص Ldiographic، وهو ما لا يكاد يحققه أي فرع آخر من فروع علم النفس.


5- النمو عملية فارقة:

على الرغم من أن كثيرًا من العلومات التي تتناولها بحوث النمو تشتق مما يسمى المعاير السلوكية، إلّا أننا يجب أن نحذر دائمًا من تحويل هذه المعايير إلى قيود, وهذا ما نبَّه إليه نيوجارتن وزملاؤه “Neugartten et al 1965” منذ عام 1965. وهذا التحفظ ضروري وإلّا وقع الناس في خطأ فادحٍ يتمثل في إجبار أنفسهم وإجبار الآخرين على الالتزام بما تحدده هذه المعايير، ويدركونه بالطبع على أنه النمط “المثالي” للنمو, ومعنى ذلك أن ما يؤديه الناس على أنه السلوك المعتاد أو المتوسط، أو ما يؤدى بالفعل، “وهو جوهر المفهوم الأساسي للمعاير” يتحول في هذه الحالة ليصبح ما يجب أن يؤدى, ولعل هذا هو سبب ما يشيع بين الناس من الاعتقاد في وجود أوقات ومواعيد “ملائمة” لكل سلوك.
وهكذا يصبح المعيار العملي البسيط تقليدًا اجتماعيًّا، ويقع الناس أسرى لما يسميه هيوز ونوب “Hughes & Noppe, 1985” بالساعة الاجتماعية؛ بها يحكمون على كل نشاط من الأنشطة العظمى في حياتهم بأنه في “وقته تمامًا” أو أنه “مبكر” أو “متأخر” عنه, يصدق هذا على دخوله المدرسة أو إنهاء الدراسة أو الالتحاق بالعمل أو الزواج أو التقاعد, ما دام لكل ذلك معاييره, فحينما ينتهي الفرد من تعليمه الجامعيّ مثلًا في سن الثلاثين, فإنه يوصف “بالتأخير” حسب الساعة الاجتماعية، بينما إنجازه في سن السابعة عشرة يجعله “مبكرًا”.
وتوجد بالطبع أسباب صحيحة لكثير من قيود العمر, فمن المنطقي مثلًا أن ينصح طبيب الولادة سيدة في منتصف العمر بعدم الحمل, كما أن من العبث أن نتوقع من طفل في العاشرة من عمره أن يقود السيارة, إلّا أن هناك الكثير من قيود العمر التي ليس لها معنى على الإطلاق فيما عدا أنها تمثل ما تعود الناس عليه، كأن تعتبر العشرينات أنسب عمر للزواج في المعيار الأمريكي “Neugarten et al, 1965”, وهذه المجموعة الأخيرة من القيود هي التي نحذّر منها, حتى لا يقع النمو الإنساني في شرك “القولية” والجمود, بينما هو في جوهره مرن على أساس مسلمة الفروق الفردية التي تؤكد التنوع والاختلاف بين البشر.

6- النمو عملية مستمرة:

الخاصية السادسة والأكثر أهمية من خصائص النمو تتصل في جوهرها بمفهوم مدى الحياة Life-span, والذي يؤكده المنظور الإسلامي للنمو كما سنبين فيما بعد, ومعنى ذلك أن التغيرات السلوكية التي تعتمد في جوهرها على النضج والتعلم تحدث باستمرار في جميع مراحل العمر, ويمكن التدليل على ذلك من شواهد كثيرة من مختلف مراحل العمر, ابتداءً من مرحلة الجنين, وحتى الشيخوخة.
وهكذا يصبح النمو تيارًا متصلًا لا نقاطًا متقطعة, ويمكن أن نشبه دراستنا لأجزاء منفصلة من مدى الحياة الإنسانية بدراسة أجزاء مقتطفة من فيلم أو رواية أو مسرحية, ولك أن تتصور مدى الصعوبة التي تنتابك في الفهم أو في تتبع شخصيات الرواية أو أحداثها, إذا لم تشاهد منها إلّا الفصل الثاني من بين فصولها الثلاثة. وبالمثل كيف يمكننا فهم نمو الفرد الإنساني إذا لاحظناه فقط في مرحلة الطفولة أو المراهقة أو الشيخوخة؟ فكما أن الفصل الثاني في المسرحية يتطور من الفصل الأول, ويعتمد عليه, وفي نفس الوقت يؤلف الأساس الذي يبنى عليه الفصل الثالث، فإن مراهقة الإنسان تتطور من خبرات طفولته, وتعتمد عليها وتؤلف أساس خبرات الرشد التالية.
ولأغراض الفهم العلمي تنقسم دورة الحياة في العادة إلى مراحل متعددة, وقد أطلق عليها ليفنسون “Levinson, 1978” مصطلح “مواسم” الحياة, بل إن معظم كتب علم نفس النمو تركز على بعض المراحل دون سواها, ولعل المرحلتين الأكثر شيوعًا هما الطفولة والمراهقة، وهو الطابع الغالب على معظم ما صدر في هذ الميدان من كتب باللغة العربية إذا استثنينا كتاب الرائد الراحل فؤاد البهي السيد “الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة” “فؤاد أبو حطب، 1997″، بل إن معظم الكليات والمعاهد الجامعية تقدم مقررات حول نمو الطفل ونمو المراهق ونمو الراشد وهكذا.

وعلى الرغم من ملائمة مفهوم المرحلة النمائية للأغراض الأكاديمية إلّا أنه قد يؤدي إلى نوعين من سوء الفهم: أولهما: الشعور بأن مراحل الحياة منفصلة منعزلة, بينما هي ليست كذلك بحكم أنها جزء من تيار الحياة المتدفق، والواقع أن هذه المراحل يتطور بعضها من بعض بشكل مستمر, وثانيهما: الحصول على انطباع زائف عن أن مراحل الحياة ثابتة, بينما هي في الواقع تتضمن تغيرت وتحولات دائمة في داخلها, ومن ذلك مثلًا أن الفرد لا يبقى معطلًا في مرحلة المراهقة, حتى يصبح مستعدًا للقفز إلى الأمام في مرحلة الرشد المبكر. وما يحدث بالفعل أنه يوجد نمو دائم داخل المراهقة, كما هو الحال في جميع مراحل الحياة.
والرشد المبكر لا يتبع المراهقة فحسب, ولكنه يتطور تدريجيًّا منها, ومعظم ما نحن عليه في مرحلة معينة من مراحل حياتنا هو نتاج لما كنا عليه في المراحل السابقة.
ولعل هذا هو ما دفعنا إلى أن يتمركز كتابنا هذا حول مفهوم “النمو مدى الحياة” Life – Span Edvelopment، حتى يتجنب القارئ سوء الفم الذي ينشأ حتميًّا على التركيز المستمر على مراحل الحياة مع الفشل في إدراك الاستمرار والتواصل في أنماط النمو لدى الفرد, ونحن حين نركز على مفهوم “مدى الحياة” في دراسة النمو, فإننا بذلك ندمج الماضي في المستقبل على نحوٍ يقودنا إلى وعي “حاضر” باتصال الحياة, فالماضي والمستقبل هما المحوران الرئيسيان للزمن السيكولوجي “فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1985”.
ولعل مفهوم “مدى الحياة” الذي شاع كثيرًا في دراسات سيكولوجية النمو ابتداء من الربع الأخير من القرن العشرين “على الرغم من جذوره الأصيلة في الثقافة العربية الإسلامية كما سنتبين فيما بعد” هو الذي دفع مارجريت ميد “mead, 1972” إلى المطالبة بتوظيف هذا المفهوم في فهم طبيعة العلاقة بين الأجيال “وخاصة جيل الأحفاد وجيل الأجداد”, فكل منهما يتعلم من الآخر معنى اتصال الحياة؛ فالجد يقدِّمُ لحفيده آصرة الماضي، والحفيد يقدم لجده الإحساس بالمستقبل, ومن خلال تفاعلهما يتشكل الماضي والمستقبل في بوتقة الحاضر.
ومفهوم مدى الحياة يقودنا إلى مسألة هامة أخرى، وهي أن النمو لا يعني التحسن المستمر في مختلف مراحل العمر, وقد اقترح أحد مؤلفي هذا الكتاب “فؤاد أبو حطب، 1983، 1985” نسقًا ارتقائيًّا تطوريًّا لدورة الحياة, وجوهر هذا النسق أن مسار الحياة Life -Path, أو مدى الحياة يتضمن متوالية معقدة حتى الأحداث والظواهر التي يشهدها الإنسان من لحظة الإخصاب في رحم الأم حتى

لحظة الاستلقاء على فراش الموت, إلّا أن هذه المتوالية لا تتضمن تصورًا خطيًّا لحدوثها، وإنما هي في معناها الحقيقي دورة، أو إذا شئت الدقة: منحنى يصوره الإعجاز الإلهي في قول القرآن الكريم:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] .
منحنى يمثل قوة بين ضعفين، ووسطًا بين طرفين، ويعد الصبا young-hood بكل ما فيه من نمو في الطفولة والمراهقة طرف الضعف الأول، أما الشيخوخة ageing بكل ما فيها من تدهور, فهي طرف الضف الثاني، وبينهما قوة الرشد Adulthood, وهذ التصور القرآني للنمو مدى الحياة هو الموجه العام لبناء هذا الكتاب.

أصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب

لمفاهيم النمو الإنساني ماضٍ طويل يمتد بأصوله إلى التصور الديني والتأمل الفلسفي والخبرة الشخصية للإنسان. أما الدراسة المنظمة لهذا الموضوع, والتي تعتمد في جوهرها على الأسلوب العلمي في البحث القائم على الملاحظة, فلها تاريخ قصير لا يتجاوز المائة عام. ونعرض فيما يلي هذا الماضي الطويل والتاريخ القصير بشيء من الاختصار يتسع له المقام, وهذا العرض ليس هدفه مجرد الاستطراد التاريخي, وإنما الإشارة إلى الأصول النظرية والفلسفية التي استندت إليها الدراسات العلمية الحديثة, سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أو بشكل مضمر أو صريح، وبهذا قد تتحدد أوجه الاتفاق والخلاف التي تبدو لنا غير مفهومة إذا نظرنا إليها من السطح، بينما التعمق فيها وسبر أغوارها يكشف لنا الكثير من الفهم والحكمة والتبصر.
ونتناول هذا العرض من خلال منظورين للنمو, هما: المنظور الغربي والمنظور الإسلامي, ونخصص هذا الفصل للمنظور الأول من خلال الفكر اليوناني ودوره في تطور مفاهيم الحضارة الغربية عن الطبيعة البشرية ونمو الإنسان، ثم نخص الفصل التالي للمنظور الإسلامي, مع إشارة خاصة إلى كيفية توجيه بحوث النمو في العالمين العربي والإسلامي, على نحوٍ جديد.
أولًا: المنظور اليوناني للنمو الإنساني
على الرغم من أن الحضارة اليونانية هي أحدث الحضارات القديمة نشأت، إلّا أن هناك إشارات متكررة لدى الحضارات القديمة الأخرى السابقة عليها إلى مسائل تتصل بطبيعة الإنسان، وعلى وجه الخصوص في الحضارة المصرية القديمة التي أظهرت رعايةً واهتمامًا كبيرين بالطفل, باعتباره كائنًا عاجزًا وضعيفًا, وفي حاجة إلى إشباع متطلباته الجسمية؛ من تغذية وحركة، بالإضافة إلى حاجته الاجتماعية للعب. “فؤاد أبو حطب، تحت الطبع”. كما أن قوانين حمواربي

في حضارة بابل تضمنت ضرورة المحافظة على الطفل “Borstelmanm 1983” ونجد استبصارات لا تقل أهميةً في حضارات فارس والهند والصين، إلّا أن هذا التراث العظيم لم يعرض بالتنظيم والتفصيل الكافيين الذين عرض بهما تراث اليونانيين لأسباب تعود في جوهرها إلى تحيز مؤرخي العلم لدى الغرب, الذين يبدأون عادة باليونان, ثم يقفزون إلى عصر النهضة الأوربية، وهي قضية تناولها بالتفصيل فؤاد أبو حطب في عدد من دراساته “فؤاد أبو حطب، تحت الطبع 197، 1993″، Abou-hatab, 1996, 1997”, ولا يتسع المقام لتناول هذه المسألة بالتفصيل, وحسبنا أن نحيل القارئ للدراسات التي أشرنا إليها.
وما دام هذا الفصل قد خصصناه لأصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب، فسوف نعرض لهذه الأصول ابتداءً من اليونان, على النحو الذي عرفته كتابات مؤرخي الغرب للعلم والثقافة، ثم نتولى تصحيح هذا الموقف في الفصل التالي من خلال عرض النمو الإنساني من المنظور الإسلامي.
وبالطبع, لا يتسع المقام لعرض تفاصيل الفكر الفلسفي اليوناني حول الموضوع منذ عصر ما قبل سقراط، وحسبنا أن نشير إلى الاتجاهين الأساسين الذين مثلهما أفلاطون وأرسطو على وجه الخصوص, وهما الاتجاه المثالي من ناحية, والاتجاه الواقعي من ناحية أخرى.
1- مثالية أفلاطون:
يرى أفلاطون “427-347ق. م” في تصوره للطبيعة البشرية, أن النفس “وهي مفهوم فلسفي يقابل ما يسمى في علم النفس الحديث الشخصية” تتألف من الشهوة والإرادة والعقل, وتظهر الشهوات “وهي الرغبات والانفعالات” في الإنسان عند ميلاده, وتسيطر على حياة الوليد, وسنوات طفولته المبكرة، وتبدو على وجه الخصوص في الحاجات الجسيمة والانفعالية للفرد, وتنمو الإرادة خلال الطفولة المتأخرة والمراهقة, وتمثل نزوع الشخص وشجاعته وخلقه واعتقاده, ومع النضج يسيطر المكون العقلي للنفس.
ويصور لنا أفلاطون في محاورة فيداروس العلاقةَ بين هذه المكونات الثلاثة في أسطورة العربة التي يشبه فيها النفس بعربة يجرها جوادان ويقودها سائق.
وأحد الجوادين عريق الأصل, سلس القيادة “الإرادة”، أما الآخر فرديء الطبع, جامح غضوب عصي “الرغة أو الشهوة”, وسائق العربة هو العقل؛ فالعقل هو الذي يقود سلوك الإنسان, والمكونان الآخران يزودانه بالقوة والطاقة.
وفي الفلسفة المثالية لأفلاطون, أن القدرة على الاستدلال والتفكير والتعقل هي

التي تميز جوهريًّا بين الإنسان والحيوان, وعلى الرغم من أنه لم ينكر الجانب اللاعقلاني في الطبيعة البشرية إلّا أنه يرى أن التدريب على التفكير قد يعين الإنسان على تخطي الشهوة والنزوع, ومع ذلك فإنه يرى أنه نتيجة للتكوين الفطري للإنسان, فقد يكون لأحد هذه المكونات الثلاثة الغلبة والسيطر على “نفس” معينة, ولهذا يرى أفلاطون في “الجمهورية” أن تحدد المهام التي يسمح للطفل أن يقوم بها لمصلحة الدولة في ضوء إمكاناته الفطرية، ثم تربيته تبعًا لذلك, فمعظم الناس عند أفلاطون تحكمهم الشهوات والعواطف, وبالتالي يجب تدريبهم على أن يصبحوا عمّالًا، وبعضهم تسيطر عليه الإرادة والنزوع, ولهذا يجب عليهم خدمة الأمة كجنود، أما الأقلية التي يسيطر عليها العقل, فهم ساسة المجتمع وفلاسفته.
وهكذا, فإن الطبيعة البشرية عند أفلاطون تحكمها الفطرة، ومهمة البيئة أو الخبرة, أن تنشط هذه الفطرة وتصل إلى أقصى حدودها الممكنة، وهي ما يسميه أفلاطون “المثل” الموجودة بالفعل داخل العقل, أما الخبرة أو التعلم فهما محض خداع.
وكذا كان أفلاطون أول فيلسوف يصوغ الاتجاه الذي عرف في تاريخ الفكر الإنساني بالمثالية أو العقلانية, والتي تتميز بثنائي الجسم والعقل, وهو الاتجاه الذي أثَّر في علم النفس الغربي الحديث بمعالمه الأربعة: الفطرة، ولكلية، والحدس، والحيوية، وهي المعالم التي عرضها هولس وزميلاه “ترجمة فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1982”.
2- واقعية أرسطو:
في مقابل مثالية وفطرية أفلاطون, كان أرسطو “384-323 ق. م” يرى أن جوهر الطبيعة البشرية ليس “مثلًا” محددة مقدمًا بالفطرة، وإنما هي طبيعة محددة أساسًا بالخبرة, وهكذا ظهر أول صراع في التاريخ بين أنصار الفطرة وأنصار الخبرة؛ فالعقل عند أرسطو يتألف من الإحساسات الأساسية التي تترابط معًا بقوانين التداعي, ولعله بذلك كان أول من عَبَّر عن الفكرة التي شاعت بعد ذلك في الفلسفة الغربية وفي علم النفس الغربي الحديث, وهي أن الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء, وفي هذا الصدد يوحد أرسطو بين العقل والجسم. وخبرات الإنسان عنده “وخاصة ملاحظاته الدقيقة” تعين على توضيح الحقيقة, وليس تشويهها, أو سوء عرضها “ما يرى أفلاطون”.
وبيما كان أفلاطون يشك في الدليل الذي تقدمه الانطباعات الحسية, فإن أرسطو كان أكثر شكًّا في قدرة العقل وحده على إدراك الحقيقة دون خطأ, وعنده أن الحقيقة لا يتم البرهان عليها إلّا بالاتفاق المتبادل على الملاحظات. وأي

ملاحظات يتفق عليها على أنها تمثل الحقيقة, يجب التعبير عنها منطقيًّا، وهي وحدها التي تقودنا إلى تفسير الأحداث أو السلوك، أي: بالبحث عن أسبابها، وعللها، ومرة أخرى نقول: إن أرسطو كان أول من صاغ معالم هذا الاتجاه المضاد الذي يُسَمَّى الواقعية أو المادية, والذي تتحدد معالمه الأربعة في الطرفية والاختزالية والترابطية والأمبريقية، وهي المعالم التي لعبت دورًا خطيرًا في تطور علم النفس الحديث “هولس وآخران، ترجمة فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1982”.
3- طفل إسبرطة:
كانت إسبرطة هي المقابل الحضاري لأثينا, وإذا كانت أثينا “الديمقراطية” قد أنتجت عمالقة للفكر الإنساني؛ مثل: أفلاطون وأرسطو، فإن إسبرطة “الديكتاتورية” لم تنتج فكرًا, وإنما أفرزت ممارسة عملية في تنشئة الطفل يكمن وراءها تصور معين للطبيعة البشرية, وتتلخص هذه الممارسة في أن الطفل عقب ولادته مباشرة يعرض على “مجلس الحكماء”, الذي يتولى فحصه لتحديد مدى قوته وصحته وصلاحيته للبقاء في المدينة, فإذا كان الطفل ضعيفًا أو معوقًا يؤخذ إلى البرية ويتترك فيها ليموت “أليس في هذا بذور فكرة البقاء للأصلح التي أشاعتها نظرية التطور في القرن التاسع عشر؟! “, أما الطفل السعيد: فهو الذي يعلن المجلس أنه صحيح. وعندئذ يتعرض لبرنامج من التدريب القاسي لتقويته وتدريبه للمهنة الشاقة, وهي خدمة الدولة العسكرية, وفي هذا التدريب “الذي يشمل حمامات الماء البارد في عز الشتاء الأوروبي” لا يسمح للطفل بالصراخ؛ لأنه علامة على ضعف الخلق, وفي سن السابعة يؤخذ الطفل من منزل أسرته ويعيش في معسكرات عامة, ويتعرض في حياته الجديدة لنظام أكثر مشقة وقسوة.
وحتى يكتسب الطفل صفات النظام والصلابة العقلية, كان قادة هذه المعسكرات يستخدمون أساليب العقاب البدني العنيف والحرمان من الطعام لعدة أيام, وطوال حياة الأطفال في هذه المعسكرات, والتي تستمر لأكثر من عشر سنوات, يغلب على تربيتهم الاهتمام بالجانب الجسمي على حساب النواحي العقلية والوجدانية.
وفي سن الثامنة عشرة وحتى سن العشرين, يتدرب الشاب تدريبًا مباشرًا على العمل العسكري وفنون القتال، ثم يلتحق بصفوف الجيش ويظل فيه لمدة عشر سنوات أخرى, في حياة أكثر خشونة وقسوة, وفي سن الثلاثين يتم الاعتراف للفرد بحقوق المواطنة الكاملة, وعندئذ يمكنه أن يتزوج وأن يسهم في إدارة المدينة.
ولم يعترف الإسبرطيون بالفروق بين الجنسين, إلّا أن تدريب البنات على المهام لم يتطلب التحاقهم بمعسكرت، وإنما كان يتم في ساحات المدينة العامة بإشراف الأمهات, أما الهدف في الالتين فكان واحدًا: إعداد الذكور الأقوياء جسميًّا للدفاع عن الدولة، وإعداد الإناث القويات جسميًّا لإنجاب الأطفال الأقوياء للقيام بنفس المهام

ثانيًا: النمو الإنساني في العصور الوسطى في أوربا

من الملفت للنظر حقًّا أنه في الوقت الذي كان الطفل يتمتع بحقوقه التي نظمتها الشريعة في المجتمعات الإسلامية، كان يعامل في أوروبا العصور الوسطى على أنه من “ممتلكات” الأسرة, أو من مواردها التي تعطي لللآباء حق استخدامها على النحو الذي يشاءون, وظل الأمر كذلك حتى القرن الثاني عشر الميلادي, حينما صدر تشريع مدني جعل قتل الأطفال جريمة قتل كاملة, وقبل ذلك كان الطفل يلقى الرعاية حتى سن السادسة حين يستطيع الاعتماد على نفسه, وعند السادسة يلبس ملابس الكبار, ويبدأ العمل معهم في المنزل أو المتجر أو الحقل “وعادة ما يكون هؤلاء الكبار هم الآباء أو الأقارب”, ولم تكن القوانين حينئذ تميز بين الأطفال والراشدين في الممارسات الاجتماعية السوية أو غير السوية؛ فمثلًا حين كان طفل العاشرة يسرق يعامل كلص, وتطبق عليه العقوبة الواجبة على الكبار, ويستنتج آريس “Aries, 1962” من ذلك “أنه حتى مطلع القرن السابع عشر الميلادي, لم يكن في أوروبا مفهوم واضح “للطفولة”، وإنما كان الطفل يعامل كما لو كان “راشدًا مصغرًا”.
وهكذا يمكن أن تعتبر فترة العصور الوسطى في أوربا فترة تجاهل كامل للمسائل الخاصة بالنمو الإنساني، وزاد من هذا التجاهل طبيعة النظام السياسي الاجتماعي الاقتصادي السائد “وهو النظام الإقطاعي”، وسيطرة الأمية الكاملة، وعدم الاعتراف بوجود أيّ حاجات خاصة بالأطفال والمراهقين، والاهتمام الضئيل بفضل العقل على النحو الذي كان موجودًا في الفلسفة اليونانية من ناحية, وعند علماء المسلمين من ناحية أخرى.
ولم يحدث تغير في البنية المعرفية للعصور الوسطى في أوروبا إلّا بعد أن انتقلت أفكار علماء المسلمين إلى أوروبا, “ومعها بالطبع أفكار أفلاطون وأرسطو التي حافظت عليها الحضارة الإسلامية من الزوال بفضل الترجمة”, وعندئذ حاول بعض الفلاسفة المسيحيين في العصور الوسطى المواءمة بين الفلسفة اليونانية والديانة المسيحية, وظهر لديهم اهتمام غير مباشر بالنمو الإنساني. ومن ذلك مثلًا: أن توماس الأكويني وأغسطين كانا يريان أن هذا النمو يجب أن يسير في طريق محدد, وهو طريق التربية الدينية الصارمة للتغلب على “الخطيئة الأصلية”.

الذي وقع فيها آدم, وفي هذا لا يوجد أي اعتراف بالفروق الفردية, وقد ارتبط ذلك بخرافة سيطرت على الفكر السيكولوجي في ذلك الوقت، وخاصة ما يتصل بالنمو، ترى أنه يوجد في الحيوان المنوي قبل الإخصاب شخص صغير مكون تكوينًا كاملًا يسمى الراشد الصغير A homunculus, ومعنى ذلك: أنه لا يوجد موضع للفردية في التعلم والنمو، وتوضح الرسوم التي عبَّرت عن الأطفال في هذه العصور أنهم كانوا أشبه بالأقزام, وظل الأمر كذلك حتى تغيرت هذه الاتجاهات تمامًا في أوروبا مع بداية عصر النهضة.
ثالثًا: إحياء النزعة الإنسانية

شهدت أوروبا في الفترة بين نهاية العصور الوسطى في القرن الخامس عشر, وعصر التنوير في القرن الثامن عشر, إحياء للنزعة الإنسانية، وشمل ذلك ما سمي بعصر النهضة Renaissance, خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
لقد شهر عصر النهضة ازدهارًا للأدب والثقافة في معظم الأقطار الأوروبية “في الوقت الذي بدأ يخيم على العالم الإسلامي ظلام التخلف والتدهور”, وظهر اهتمام واضح بالفروق الفردية والنمو الإنساني, ولعل أوضح الأمثلة أفكار جون آموس كومنيوس Comenius في آخر القرن السادس عشر, التي لخَّص فيها النمو الإنساني في أربع مراحل تتوافق مع المتطلبات التربوية في كل مرحلة, وهي: مرحلة الإدراك “من الولادة حتى 6 سنوات”، مرحلة الخيال “من 6-12 سنة”، مرحلة التعقل والاستدلال “من12-18 سنة 9، مرحلة الطموح “من 18-24 سنة”.
وفي القرن السابع عشر طرح جون لوك في إنجلترا أفكاره الفلسفية حول الأمبريقية، وهو الاتجاه الفلسفي الذي يرى أن الحواس -وليس العقل- هي مصدر المعرفة الوحيد، وكان بذلك يضاد الموقف الفلسفي الذي طرحه رينيه ديكارت في فرنسا، وهو المذهب العقلي الذي يرى أن العقل -وليس الحواس- هو مصدر المعرفة, إلّا أن ما حدث بعد ذلك أن السيطرة والسيادة كانت للاتجاه الأمبريقي الذي تطورت في إطاره جميع العلوم الإنسانية، ومنها علم النفس.
وأصبح المفهوم الأرسطي القديم “العقل كصفحة بيضاء” tabule rasa نموذجًا للعقل الإنسان, واعتبر النمو عملية تدريجية تراكمية ناتجة عن التعلم المكتسب من الخبرات المختلفة, ولم يعد الطفل “راشدًا مصغرًا”, وإنما أبرزت الفروق الجوهرية بين الطفل والراشد, وهكذا سيطرت الخبرة على الفطرة في الفكر الفلسفي والسيكولوجي في أوروبا خلال تلك الفترة.


رابعًا: النمو الإنساني في عصر التنوير في أوروبا

يوصف القرنان السابع عشر والثامن عشر في أوروبا بأنهما عصر التنوير، ويتسم هذا العصر بسيادة روح الحرية والاعتراف بقدرات الإنسان, وظهرت كتابات دينية تهتم بطرق معاملة الأطفال والشباب في الأعمار المختلفة، وعلى الرغم من أن هذه الكتابات لم تقدِّم وصفًا جيدًا كاملًا لمستويات النمو, إلّا أن توماس “Thomas. 1979”, يقترح وجود أربع مراحل, معتمدًا على تحليل المهام المتوقعة من كل مرحلة كما ظهرت في هذه الكتابات، وهي:
1- الرضاعة: “من الولادة حتى سن عام ونصف أو عامين” وتتسم هذه المرحلة بالاعتماد الكامل على الكبار في إشباع الحاجات الجسمية.
2- الطفولة المبكرة: “من عامين وحتى سن 5 إلى 7”, وتتسم بظهور نشاط الحركة والكلام ويسيطر عليها نشاط اللعب.
3- الطفولة المتأخرة: “من سن 5 إلى 7 سنوات وحتى سن 11 إلى 14 سنة”, وتتسم بالاندماج في الأعمال المفيدة بالمنزل, ودخول المدرسة إذا كان ذلك ممكنًا, والمهارة الأساسية هي القراءة, وبعدها تأتي مهارة الحساب والكتابة, ويمكن للبنات في هذه المرحلة تعلم الأعمال المنزلية، أما الذكور فيمكنهم تحت إشراف الآباء أو الأخوة الكبار, القيام بأعمال الرجال في الحقل أو المتجر أو المنزل.
4- الشباب: “من سن 11 إلى 14 سنة وحتى 18 إلى 21”, وتتسم بالاستقلال الاقتصادي.
وهكذا تغيرت الاتجاهات نحو الأطفال والمراهقين في أوروبا تغيرًا جذريًّا خلال هذه الفترة, ويمكن أن نرجع ذلك إلى كتابات كبار الفلاسفة الاجتماعيين في ذلك الوقت، والتي أدت إلى تكوين نظرية جديدة نحو الطفل ورعايته, وتركزت خلافات هؤلاء الفلاسفة حول ثلاث مسائل رئيسية هي:
1- هل الطفل خيِّر أم شرير بالفطرة؟
2- هل تحرك الطفل دوافعه وغرائزه الفطرية, أم إنه نتاج البيئة؟
3- هل الطفل مخلوق سلبي تشكله الأسر والمدرسة وغيرهما من المؤسسات الاجتماعية, أم أنه يشارك إيجابيًّا في عملية تشكيل شخصيته؟
ولعل أشهر مظاهر الاختلاف حول هذه القضايا الثلاثة تمثل في هذا العصر في كتابات توماس هوبز, الذي تحيز لاتجاه الفطرة الشريرة, نتيجةً للمفهوم الديني

“الخطيئة الأصلية” وركز على تأثير البيئة، وكتابات جان جاك روسو التي وقفت في الاتجاه المضاد, ونتيجة فلسفة روسو في الطبيعة البشرية زاد الاتجاه نحو ما يسميه الطبيعة؛ فالأطفال عنده أخيار بطبيعتهم ما لم تفسده شرور المجتمع والبيئة, وتعد روايته “إميل” التي نشرت عام 1762 أوضح تعبير عن موقفه الفلسفي والسيكولوجي, ولم يكن “إميل” مصدره الوحيد, فقد اعتمد أيضًا على ذكريات طفولته هو, والتي وصفها بصراحة في اعترافاته، وخبرته في الإشراف على أطفال الأسر الأرستقراطية في عصره، وقراءاته في الفلسفة وحول الشعوب البدائية التي أوحت إليه بفكرة الهمجيّ النبيل، وملاحظاته العارضة لأطفال الفلاحين الأوربيين, وتمتد فترة الطفولة عنده من الميلاد حتى سن 25 سنة.
وتنقسم إلى أربع مراحل فرعية هي:
1- الرضاعة: “من الميلاد وحتى سنتين من العمر”, وفيها يعتمد الطفل على الرضاعة الطبيعية من الأم, وتمثل مرحلة حرجة لنمو الصحة الجسمية والحواس, وتسيطر على هذه المرحلة المشاعر الحيوانية باللذة والألم.
2- الطفولة: “من 2-12سنة”, وتتطلب تعلم القراءة والكتابة, وهي مرحلة حرجة لتنمية القوة الجسمية والنشاط الحركي وتخزين المعلومات, وتسيطر على السنوات الأولى من هذه المرحلة المشاعر الحيوانية باللذة والألم المسيطرة على المرحلة السابقة إلّا أنه بعد ذلك يتحول إلى ما يسميه روسو: “الوحشي النبيل” Noble Savage.
3- البلوغ: “من 12-15 سنة”, وتمثل المرحلة الحرجة للسلوك الاجتماعي وتنمية الحس الأخلاقي الحقيقي، ونمو الوظائف لجنسية.
أما مرحلة الرشد, والتي تمثل النضج الروحي عنده, فلم يحددها تحديدًا دقيقًا, ولعل مما يستحق الإشارة هنا لتنبيه روسو إلى ما يسميه المراحل الحرجة في النمو, ومعناه أن الطفل لكي يفيد من البيئة وآثارها, يجب أن يحرز درجة ملائمة من النضج الداخلي, ويتم التعلم عنده عن طريق استكشاف الطفل للمبادئ التي تحكم العالم المادي والاجتماعي، وعنده أن التدريس غير المباشر أفضل وأكثر فعالية من التدريس المباشر, وفي جميع الحالات علينا أن ندرك أن الطفل خير بطبيعته

ويمكنه أن ينمو ويصل إلى نموذج الحكمة والمعرفة والفضيلة إذا سمح له باتباع طريقته الطبيعية, وليس بالتطفل على مجتمع فاسد, وقد أسيء فهم رأي روسو حول هذه المسألة حين رأى البعض أن ذلك يعني ترك الأطفال يفعلون ما يشاءون.
إلّا أن هذا لم يقصده روسو، فمسئولية الراشد الناضج أن يحلل الطريقة الطبيعية في التعلم, كما فعل “إميل”، وعلى أساس هذا التحليل يعامل خبرات الطفل حتى تتواءم مع مسار المراحل الحرجة التي صورها على أنها تتضمن جوانب النمو المطلوب في كل منها, ومعنى ذلك أن النمو الطبيعي للطفل يحتاج إلى نوع من التنظيم من جانب الراشد.
ومع اقتراب القرن الثامن عشر من نهايته, ظهر عدد من الفلاسفة والمربين والعلماء وجهوا انتباههم إلى وصف مسار النمو الإنساني نذكر منهم:
1- جوهان نيكولاس تيتنس: Tetens 1736-1807, وكان أستاذًا للفلسفة في عدد من الجامعات التي أنشئت في عصر النهضة، وقدَّم نظرية مبدئية حول النمو الإنساني تهتم بالفروق الفردية في النواحي الجسمية والنفسية طوال مدى الحياة.
2- ديتريش تيدمان Tiedman “1748-1803”, وقد نشر كتابًا تناول فيه بالتفصيل سيرة طفله؛ حيث وصف مهاراته الحركية ولغته وإمكاناته العقلية وسلوكه الاجتماعي والانفعالي، فكان أول كتاب في علم نفس النمو بالمعنى المباشر.
3- جون هنري بستالوتزي pestalozzi “1827-1746”, والذي يعتبر أعظم مصدر للأفكار حول تربية الأطفال, وكان له أثر كبير فيمن جاء بعده من فلاسفة في هذا المضمار, وقد لخصت “أميمة أمين، آمال صادق، 1985” أفكاره, وقد اعتمد في معظم ما كتب على ما جمعه من معلومات عن تعلم طفله البالغ من العمر 4 سنوات.
4- فردريك أوجست كاروس carus 1808-1770, وهو عالم ألماني, سجل بعض انطباعاته حول مراحل النمو مدى الحياة, مستقلة عن العمر الزمني, واهتم على وجه الخصوص بالفروق بين الجنسين, والاختلافات بين الثقافات في النمو الإنساني.
ولعلنا نلاحظ أن معظم الكتابات التي ظهرت في عصر التنوير تعتمد على الخبرة الشخصية لمفكري هذا العصر، إلّا أن ما يلفت النظر هو توجه بعضهم إلى جمع معلومات عن نمو أطفال حقيقيين قاموا بملاحظتهم، وهم في العادة أبناء الباحثين أنفسهم، وهذا الاتجاه خاصة بشَّرَ بالاتجاه العلمي الحديث في دراسته النمو, والذي نعرض أصوله وبداياته في الأقسام التالية من هذا الفصل.

خامسًا: المقدمات الاجتماعية والثقافية لدراسة النمو الإنساني

لآراء الفلاسفة حول الطفل وتنشئته طرافتها بالطبع، ولكن وجه القصور فيها أنها لا تتخذ لنا الطريقة التي نحكم بها على صحتها، كما لا تتوافر عنها بيانات موضوعية تدعمها، والملاحظات القليلة التي توافرت من الخبرة الشخصية, أن الدراسة غير المنظمة للطفل لا تكفي؛ لأنها لا تصف لنا المنهج المستخدم في جمع هذه البيانات, وطرق التحقق من صحتها، وهذا هو جوهر العلم الحديث.
ومع ذلك, فإنه حالما أصبح الطفل موضوعًا للتأمل الفلسفي, أدّى ذلك في ذاته إلى تطور كبير, وقد شهد القرن التاسع عشر بالفعل اهتمامات عملية بالطفولة, تمثلت في إنشاء جماعات لحماية الطفل من القسوة في إنجلترا، وفرضت قيودًا على العمر الذي يسمح فيه للطفل بالعمل ونوع العمل وساعات عمله، كما انتشر التعليم في عدد من الأقطار الأوروبية، وجعل المرحلة الابتدائية إلزامية في بعضها “مثل فرنسا”، وتطوير أساليب تعليم الصغار, والاعتماد في ذلك على اللعب خاصة، والاعتراف بطب الأطفال, واعتباره تخصصًا طبيًّا جديرًا بالاحترام, وهذه الاهتمامات بالطفل لم تكن مجرد انعكاس لاهتمام الفلاسفة والمفكرين بالطفولة فحسب, وإنما كان مظهرًا من مظاهر التغير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي شهدته الحضارة الغربية في القرن التاسع عشر, ومن ذلك ما شهدته تلك الفترة من تقدم طبي أدى إلى خفض نسب وفيات الرضع والأطفال, والزيادة النسبية في متوسطات الأعمار, وأدى ذلك بدوره إلى ضررة الاهتمام بطرفي دورة الحياة: الأطفال والمسنين.
وأدى التقدم العلمي إلى ثورات صناعية وتكنولوجية غيَّرت من الآراء السائدة حول الطفولة, وأدت إلى اكتشافات جديدة, وتهيئة فرص جديدة للعمل, وأثرت في بنية الأسر ودور المرأة، وساعدت على سيادة المشاعر القومية لدى الشعوب المرتبطة ثقافيًّا وجغرافيًّا, وبالطبع لم تكن جميع التغيرات التي شهدها القرن التاسع عشر موجبة, فقد ظهر الاستغلال للعمال الصناعيين، ونشأت حروب إقليمية عديدة، وبدأ عصر تلوث البيئة واستنزاف مواردها، وزادت ضراوة الغزو الاستعماري لإفريقيا وآسيا, مما أدى إلى وقوع معظم أقطار العالم العربي والإسلامي تحت وطأته, ومع ذلك, فإن كشف حساب القرن التاسع عشر كان لصالح قيمة الحياة الإنسانية والاعتراف بكرامة الإنسان, وكان لهذا أثره البالغ في الاهتمام بدراسة النمو الإنساني بطرق علمية عند نهاية القرن التاسع عشر, ونعرض فيما يلي بعض مقدمات هذا الاهتمام العلمي الذي تجاوز الكثير من كتابات الفلاسفة

سادسًا: المقدمات العلمية لدراسة النمو الإنساني

يمكن القول أن كتابات ثلاثة من العلماء على وجه الخصوص, تعد المقدمة العلمية لدراسة النمو الإنساني, وهم كيتيليه وداروين وجالتون، وفيما يلي نعرض إسهاماتهم في هذا الصدد.
1- كيتيليه والبحث الإحصائي للنمو:
يعد عالم الفلك والرياضيات البلجيكي أدولف كيتيليه Quetelet 1874-1796 أول من أحيا دراسة النمو الإنساني على أسس علمية, وتناولها على نطاق مدى الحياة؛ فقد أجرى ما يمكن أن يعد أول بحث مستعرض في التاريخ, تناول فيه النمو من الطفولة إلى الشيخوخة مستخدمًا الإجراءات المنهجية والإحصائية التي كانت وليدة حينئذ, وشملت دراسته موضوعات مثل: الانتحار والجريمة والجناح والمرض العقلي والابتكار, إلى جانب بعض الخصائص الجسمية مثل: ضربات القلب والقوة العضلية والطول والوزن, ولعل إسهاماته أنه نبه إلى بعض مشكلات هذا النوع من البحوث, وأشار إلى الحاجة إلى البحوث الطولية التتبعية “وسوف نناقش في هذا الفصل الرابع طبيعة كلّ من نوعي البحوث المستعرضة والطولية”، واقترح ضرورة مراعاة الاختلافات في الجنس والثقافة والبيئة الجغرافية، وهذه جميعًا تشغل اهتمامات الباحثين في علم نفس النمو منذ نشأته, وحتى الوقت الحاضر.
2- تشارلز داروين: النمو الإنساني في الإطار البيولوجي, ومنهج كتابة سير الأطفال:
جاءت المقدمة الثانية لدراسة النمو الإنساني دراسة علمية من مجال علم الأحياء, وكان هذا العلم قد شهد تطورًا هامًّا عندما أصدر دارون darwin 1882-1809 كتابه الشهير أصل الأنواع 1859, والذي صاغ فيه نظريته في التطور التي أثرت تاثيرًا كبيرًا في الفكر الغربي الحديث.
ولا يتسع المقام لعرض معالم النظرية، وحسبنا أن نشير إلى أنها أثرت في

مفهوم النمو الإنساني, وخاصة حين اعتبر الإنسان فيها جزءًا من الطبيعة الحيوانية, وأنه الصورة الأرقى من صور الحياة, ابتداء من الكائنات أحادية الخلية، وعلى الرغم من أن داروين اعتبر الإنسان أكثر الكائنات الحية تعقيدًا في سلم التطور, إلّا أن أفكاره الأساسية تعارضت جوهريًّا مع التعاليم الدينية، ومع المفاهيم الراسخة في الفكر الإنساني -منذ عهد أرسطو- التي تميز تمييزًا كيفيًّا بين الإنسان والحيوان1.
وقد أدت هذه الأفكار بداروين إلى إجراء المقارنات بين الإنسان والأنواع الحيوانية, وكان يعتقد أن الأطفال الصغار يشتركون مع الحيوانات الأدنى في خصائص كثيرة، بالإضافة إلى أنهم “أي الأطفال” يلخصون التاريخ التطوري.
بالإضافة إلى أن فكرتيه عن الانتقاء الطبيعي، والبقاء للأصلح, أثرتا تأثيرًا كبيرًا في فهمه لطبيعة عملية النمو الإنساني منه والحيواني، حيث لا يستمر في البقاء عن طريق التناسل إلّا تلك الأنواع “والأفراد داخل النوع الواحد” التي يتوافر لها أفضل وسائل التكيف للبيئة المتغيرة, وقد أثرت هذه الأفكار من ناحية أخرى في شيوع مفاهيم التكيف والتوافق في العلوم الإنسانية الناشئة حينئذ، ومنها علم النفس، وفي ظهور الاهتمام بالفروق الفردية والسلالية بين البشر.
وتوجد فكرة أخرى لداروين أثرت تأثيرًا كبيرًا في بحوث النمو التالية, وهي وجود علاقة بين تطور النوع ونمو الطفل داخل النوع، وظهر أثرها في الاهتمام بالبحث عن أصول سلوك الراشد وخصائصه في خبرات الطفولة المبكرة، وهي فكرة شاعت على وجه الخصوص في مدرسة التحليل النفسي “عند فرويد”.
وقد لجأ داروين في دراسته للنمو الإنساني إلى المنهج الذي ظهرت بدايته في القرن الثامن عشر، وشاع في القرن التاسع عشر, وهو كتابة سير الأطفال وتراجم حياتهم, ويتلخص هذا الأسلوب في قيام الآباء بتسجيل يوميات عن نمو أبنائهم, وبعض هذه التسجيلات صدر عن أدباء وفلاسفة, كما صدر بعضه عن علماء.
وهذا الأسلوب كان من الشيوع في القرن التاسع عشر حتى أن بعض المؤرخين يذكرون أنه كان من الممارسات العادية للآباء من الطبقات المتوسطة والعليا.
1 تعرضت نظرية التطور منذ ظهورها للنقد الشديد من مختلف الأورقة الدينية والعلمية, وتتوافر في الوقت الحاضر أدلة علمية كافية لدحض النظرية في صورتها الأصلية، ولعل أكثر هذه الأدلة وضوحًا ما تأكد من وجود الخصائص المميزة للنوع, والتي أدت إلى تأكيد فكرة استقلال الأنواع، وقد بينت دراسات علم النفس المعرفي المقارن في السنوات الأخيرة أن بحوث اكتساب اللغة, وتعلم أنماط التفكير, تؤكد أن الفروق بين الإنسان والحيوان فروق كيفية, تجعل الإنسان فئة بيولوجية وسلوكية متميزة عن الحيوان “راجع هلوس وآخرين. ترجمة فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1982, وكذلك فؤاد أبو حطب، 1995

ولهذا نجد داروين في عام 1877 ينشر مقالًا عن النمو المبكر لطفله الرضيع Darwin, 1877, ووجهت كتابة المقال فكرته العامة حول أهمية النمو الفردي في فهم التطور الإنساني, والواقع أن أسلوب كتابة سير الأطفال وتراجم حياتهم فيه شكٌّ كبيرٌ, وخاصة فيما يتصل بموضوعية البيانات التي سجلها الآباء عن أبنائهم, وذلك للأسباب الآتية:
1- الملاحظات التي أجريت وسجلت في معظم الكتابات كانت تتم على فترات زمنية غير منتظمة، كما ركَّزت على جوانب متفاوتة من سلوك الأطفال، ولهذا كانت البيانات التي هيأتها لنا هذه الطريقة غير قابلة للمقارنة.
2- الملاحظون الذين قاموا بجمع هذه البيانات وتسجيلها, كانوا في الأغلب هم آباء الأطفال موضع الملاحظة, ولهذا غلب على تسجيلاتهم الأسلوب الانتقائي والتحيز الذاتي؛ حيث كانوا ينتبهون في معظم الأحيان إلى الأحداث السارَّة والشواهد الإيجابية، ولا ينتبهون إلى الأحداث غير السارة والشواهد السلبية.
3- الباحثون الذين قاموا بجمع هذه الشواهد والأدلة لديهم أفكار قبلية وافتراضات مسبقة حول طبيعة النمو الإنساني، وعلى الرغم من أنها أقرب إلى الفروض التي تتطلب الاختبار منها إلى البديهيات التي يتم التسليم بصحتها, ولهذا كان من الواجب وضعها موضع الاختبار للتحقق من صحتها، إلّا أن ما حدث أن هذه الأفكار والافتراضات القبلية وجهت ملاحظات وتسجيلات هؤلاء الباحثين, ولهذا يلاحظ القارئ لمعظم هذه السير والتراجم للأطفال أنها لم تجمع إلّا الملاحظات التي تتفق مع وجهة نظر الباحث، ويتضح ذلك على وجه الخصوص في السيرة التي كتبها داروين عن طفله، ولهذا لا تعد في الوقت الحاضر دليلًا عمليًّا يعتد به.
4- جميع هذه السير والتراجم أجريت على طفل واحد فقط، وبالطبع فإن المنهج العلمي يحذرنا من التعميم من حالة واحدة على حالات أخرى, ويحتاج هذا التعميم إلى أن نجري الدراسات على “عينات” ممثلة للأطفال الذين نسعى إلى وصفهم ودراستهم, وهذا المنهج لم يتقدم إلّا في القرن العشرين.
وعلى الرغم من أن أسلوب سير الأطفال وتراجم حياتهم لم يكن مفيدًا

كمصدر للمعرفة حول النمو الإنساني، إلّا أن هذه السير تضمنت إلى جانب ما فيها من أخطاء فادحة بعض الاستبصارات الهامة, ولعل أهم ما فيها أنها كانت خطوة في اتجاه الاهتمام بالطفل, فمجرد أن يكتب كبار الفلاسفة والمفكرين والعلم عن الطفل وجَّه الانتباه إلى نمو الإنسان ليصبح موضوعًا يستحق البحث العلمي المنتظم.
3- فرنسيس جالتون وبحوث وراثة السلوك الإنساني:
قدَّم العالم البريطاني فرنسيس جالتون Galton 1991-1822, إسهامًا هامًّا آخر في ميدان الدراسة الناشئة حينئذ للنمو الإنساني؛ فقد كان من بين اهتمامات جالتون العديدة التعرف على مصادر الفروق الفردية، وتطلَّب منه ذلك إجراء دراسات مسحية منظمة على مئات الأشخاص من مختلف الأعمار، وأدَّى ذلك إلى اقتناعه بأن الانتقال الوراثي للسمات من جيلٍ إلى آخر هو المسئول الأكبر عن تنوع السلوك الإنساني, واستخدم في سبيل البرهان على صحة أفكاره طرقًا شتَّى؛ منها المقارنة بين التوائم المتطابقة, والتوائم الأخوية، ودراسة شجرة الأنساب, وخاصَّةً لعدد كبير من العباقرة في مختلف جوانب الحياة, وبهذه الدراسات هيأ جالتون المسرح العلمي لإعادة بحث المسألة الخلافية الأساسية في تاريخ الفكر الإنساني, والتي تدور حول الفطرة والخبرة.
ولعل أهم إسهامات جالتون أنه تجاوز مرحلة التأمل النظري حول هذه المسألة وغيرها، ولجأ إلى الأسلوب العلمي الذي يعتمد في جوهره على الملاحظة المنظمة، وابتكر الوسائل التي تعين على هذه الملاحظة، ومن ذلك بناء الاختبارات العقلية Tests، والاستخبارت أو الاستبيانات النفسية Questonnaires, وابتكر الكثير من الأساليب الإحصائية, وطوَّرَ معظمها بحيث تصبح ملائمة للاستخدام في دراسة السلوك الإنساني، وهكذا كان الجو مهيأ لظهور علم نفس النمو الحديث.

سابعًا: ظهور علم نفس النمو الحديث

مع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته, بدأ في التشكيل مجال للدراسة العلمية جوهر اهتمامه هو النمو الإنساني, ولأول مرة نجد أشخاصًا ليسوا في الأصل من الفلاسفة أو الفسيولوجيين أو البيولوجيين يكرسون جهودهم لملاحظة الإنسان وجمع البيانات لبناء هذا العلم الجديد, وعلى الرغم من أنه من الصعب أن نختار تاريخًا بذاته يحدد نشأة النمو الإنساني كعلم, فإننا نرى أن فترة نصف القرن التي تمتد بين ثمانينات القرن التاسع عشر “1880 وما بعدها” وعشرينات القرن العشرين “1920-1952”, هي الفترة التكوينية لهذا العلم، وهي في نفس الوقت فترة الخصوبة العلمية للعالِمِ الأمريكي العظيم ج. ستانلي هول “1844-1924” الذي يعد المؤسس الشرعي لهذا العلم.
لقد تنبيه ستانلي هول إلى نقائص سير الأطفال المعتمدة على دراسة طفل واحد، فاتجه إلى جمع بيانات أكثر موضوعية من عينات كبيرة من الأطفال, وتركز اهتمامه خاصة على طبيعة تفكير الطفل، واستعان على دراستها بالطريقة التي ابتكرها جالتون وهي الاستخبار “أو الاستبيان”, وحاول توظيفها في مجال اكتشاف محتوى عقول الأطفال، على حد تعبيره, ونشر أول دراسة له حول الموضوع عام 1891 S. Hall, ولعل أهم ما لفت نظره أن فهم الأطفال للعالم المحيط بهم يتزايد بسرعة فائقة خلال مرحلة الطفولة المبكرة, كما اكتشف أيضًا أن طريقة الطفل في الاستدلال تبتعد كثيرًا عن القواعد التي يحددها المنطق الصوري, وكانت هذه الدراسة أول بحث علمي في التاريخ يلتزم بأصول وقواعد منهج البحث, يجري على نطاق واسع ويشمل عينة كبيرة من الأطفال النامين, وربما لهذه الزيادة العلمية يستحق ج. ستانلي هول, فضل أن يكون مؤسس علم نفس النمو الحديث.
وفي عام 1904 ثم في عام 1905 نشر له كتابه الشهير عن المراهقة في مجلدين “S. Hall, 1904, 1905”, ويعود الفضل إلى ستانلي هول في ابتكار مصطلح المراهقة Adolscence للعبير عن هذه المرحلة الهامة في النمو الإنساني.
وكانت لستانلي هول إنجازاته الأخرى التي تدعم له مكانته في الريادة, لقد كان أول أمريكي يحصل على درجة الدكتوراه في علم النفس عام 1878 بعد دراسته في جامعة هارفارد على يد الفيلسوف والمربي العظيم وليم جيمس “لاحظ أنها قبل إنشاء معمل فوندت في ليبزج عام 1879”, وله شهرته في إنشاء الجمعية الأمريكية لعلم النفس “أشهر الجمعيات السيكولوجية في العالم”، وفي إصدار وتحرير عدد من المجلات العلمية السيكولوجية, لعل أهمها مجلة علم النفس النشوئي journal of Genetic Psychology التي لا تزال تصدر حتى الآن, والتي اهتمت على مدى القرن العشرين ببحوث النمو الإنساني, بالإضافة إلى تدريب عدد كبير من علماء نفس النمو, ونشر الكثير حول جوانب النمو الإنساني خلال مراحل الطفولة والمراهقة والشيخوخة.
وعلى الرغم من هذه الإنجازات الكبيرة فإن أثر ستانلي هول هبط بسرعة بعد وفاته, ولعل من أسباب ذلك اتساع نطاق اهتماماته, والتي لم تسمح له بتناول أيّ موضوع على نحو أكثر عمقًا من التحليل العام السطيح. ولهذا لم يقدم

نموذجًا نظريًّا واضحًا للنمو الإنساني, كما يلاحظ على كتاباته أنها لم تتسم بدرجة كافية من الدقة بحيث تسمح بالتعرف على فروض قابلة للاختبار, وعلى الرغم من أنه ركَّزَ على قيمة الملاحظة غير المتحيزة والبحث التطبيقي والأسس البيولوجية للسلوك, إلّا أنه تحيز في بعض كتاباته عند تناول المسائل الخلافية, ومن ذلك: المبالغة في تأكيد دور الفطرة على حساب الخبرة؛ فالنضج عنده -وهو نتاج الوراثة- هو الأكثر مسئولية في التأثير على مسار النمو الإنساني, وربط في سبيل ذلك بين البيولوجيا التطورية عند داروين، والفلسفة الطبيعية عند روسو.
وشاعت في كتاباته العبارة الشهيرة “النمو الفردي هو تكرار ملخص للتطور البشري” وهي فكرة دحضتها البحوث الحديثة في النمو, ومن أفكاره الأخرى التي لم تعد مقبولة في علم النفس الحديث افتراضه أن المراهقة هي سلسلة حتمية في كل الأحوال من الصراعات الانفعالية, تصل إلى حدِّ وصفها بأنها مرحلة “العواصف والشداد” storm and stress، وهو افتراض أكدت الدراسات الثقافية المقارنة أنه حالة خاصة للمراهق في المجتمع الغربي الصناعي الحديث.
ومع ذلك, فإن فضل ستانلي هول أنه ارتاد الميدان، ولعله في ذلك لا يختلف عن ولهلهم فلوندت, منشيء علم النفس التجريبي الحديث, لقد كان الإنجاز العملي التطبيقي لكلٍّ منهما يفوق كثيرًا إبداعه السيكولوجي.


نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو :

من حقائق تاريخ علم النفس, أن الدين هو أحد المصادر العظمى التي انبثق منها هذا العلم “فؤاد أبو حطب، تحت الطبع”, وربما لهذا السبب لعب الدين دورًا أساسيًّا في البدايات المبكرة لعلم النفس في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, وتتوافر إسهامات كبرى لعدد من الرواد الأوائل, نذكر منهم على وجه الخصوص فوندت، ستانلي هول، وليم جيمس، كارل يونج, وغيرهم. إلّا أن هذا الاهتمام سرعان ما تناقص أو تلاشى لأسباب عديدة, لعل أهمها سيطرة السلوكية على التيار الرئيسي لعلم النفس.
وحينما شهد علم النفس بعثًا جديدًا منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين, عادت المفاهيم التي أهملت لزمن طويل, وعلى رأسها مفهوما “العقل” و”الروح” إلى بؤرة الاهتمام العلمي, وقاد هذا التحول الأساسي في الوجهة العلمية Paradigm في الثقافة الغربية كل من علماء النفس المعروفيين وأصحاب الاتجاه الإنساني، ونتج عن ذلك كله تغير كامل في مفهوم العلم وطبيعته.
لقد أقيم المفهوم الكلاسيكي للعلم والذي عاش طويلًا في ثقافة الغرب على النزعة “الوضعية”, والتي تطورت في القرن العشرين إلى صورتها الأحديث وهي “الوضعية المنطقية”, وكانت السلوكية في كل مراحل تطورها مرآة عاكسة للوضعية في كل أحوالها وتجلياتها “1997Abou – Hatab, 1972, 1978, 1992”, وهو تصور يتسم في جوهره بالمادية والفيزيائية والميكانيكية والموضوعية.
ولهذا كان التضاد صريحًا بين العلم بهذا المعنى، والدين الذي افترض فيه أنه يتسم بالذتية والقيمية والخصوصية “Abou – Hatab, 1997”.
وشهد عقد الخمسينات من القرن العشرين صعود تيار “ما بعد الوضعية” Post Positivistic وفيه يتأسس العلم على أربعة مسلمات أساسية هي:
1- معطيات العلم وخصائصه ونظرياته ذت طابع تفسيري وليست محايدة تمامًا كما افترضت الوضعية “والسلوكية”.

2- العلم مشروع ثقافي لا يمكن اختزاله إلى مجموعة من الخطوات الإجرائية كما ادعت الوضعية.
3- التطور العلمي ليس نتاج التراكم التدريجي للمعرفة كما زعمت الوضعية, وإنما هو نتاج تطور في النظريات العلمية وفلسفات العلم وفي وجهاته Paradigms.
في هذ الإطار العام للعلم المعاصر, نعرض في هذا الفصل المنظور الإسلامي للنمو الإنساني, ونبدأ بعرض آيات القرآن الكريم المتصلة بالنمو، والتي تتضمن الكثير من جوانب الإعجاز العلمي لكتاب الإسلام الخالد، وهي الجوانب التي أشار إليها في السنوات الأخيرة علماء الأجنة وعلماء النفس “فؤاد أبو حطب، 1985”.
وبعد ذلك نننتقل إلى تناول النمو في السنة النبوية الشريعة، ثم عند فقهاء المسلمين ومفكريهم وفلاسفتهم، وننتهي بعرض لنموذج للنمو الإنساني في هذا الإطار الإسلامي الشامل, ونربطه بالسياق المعاصر للعلم عامة ولعلم النفس خاصة.

أولًا: النمو الإنساني في القرآن الكريم:

يتناول القرآن الكريم في مواضع كثيرة خلق الإنسان ونموّه، ويمكن أن تنقسم آيات خلق الإنسان إلى قسمين: ما يتصل منها بخلق آدم -عليه السلام، وهو من باب الغيب الذي على المسلم أن يؤمن به، ثم ما يتصل منها بخلق الإنسان من سلالة آدم، والذي حدّدَ القرآن الكريم معالمه، وهو ما نتناوله هنا لاتصاله المباشر بموضوع علم نفس النمو.
1- آيات الله في تكوين الإنسان:
يحدد القرآن الكريم الطريق العادي لوجود الإنسان كنتاجٍ لاتصال الذكر بالأنثى1 وفي ذلك يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13] 2.
وفي هذا إشارة صريحة إلى أن خلق الإنسان من جزء من الذكر “وهو الحيوان المنوي” وجزء آخر من الأنثى “وهو البويضة الأنثوية”, ويفسر لنا ذلك
1 يستثنى من ذلك، كما يقول المفسرون، خلق آدم -عليه السلام- من دون أب وأم، وخلق حواء من أب دون أم، وخلق عيسى -عليه السلام- من أم دون أب، فخلق هؤلاء جميعًا يدخل في باب الغيب الذي يجب على المسلم الإيمان به.
2 في ذكر الآيات القرآنية الكريمة سوف نشير دائمًا إلى اسم السورة متبوعًا برقم الآية فيها.

قول مريم حين بُشِّرَتْ بعيسى -عليه السلام: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي} [آل عمران: 47] .
ويحدد القرآن الكريم المادة التي يُخْلَقُ منها الإنسان نتيجةً لهذا الاتصال الجنسي في قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِين} [السجدة: 7-8] .
فإذا كان خلق آدم عليه السلام -أبو البشرية- من طين، فإن خلق نسله -وهم البشر جميعًا- من ماء مهين. والماء المهين -بإجماع المفسرين- هو المني الذكري.
والمقصود بالسلالة هنا “الخلاصة”، ومعنى ذلك أن خلق نسل آدم من خلاصة المني الذكري الذي يفرزه الرجل عند الاتصال الجنسي بالمرأة, وهذه الخلاصة هي التي يشير إليها علماء الأجنة والوراثة في الوقت الحاضر بالحيوان المنوي, وفي هذا القول القرآني إعجاز علمي رائع, فلم يتوصل هؤلاء العلماء إلّا في القرن العشرين إلى الحقيقة العلمية القائلة بأن الحيوانات المنوية تؤلف فقط ما بين 0.05%، 1% من مجموع المني الذكري “الماء المهين”، وأن من بين هذه الحيوانات المنوية التي يبلغ عددها في المرة الواحدة بضع مئات الملايين لا ينجح إلّا حيوان منوي واحد -بتقدير الله تعالى- في تقليح البويضة الأنثوية، وهو بذا يصبح “خلاصة”الماء المهين على حد معنى التعبير القرآني المعجز “محمد علي البار، 1986”.
ويحدد القرآن الكريم خصائص المني الذكري بأنه سائل سهل التدفق، ويصفه بأنه {مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة: 37] .
{فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 5-6] .
{ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة: 8] .
كما يحدد أيضًا الموضع الذي يخرج منه، فيقول تعالى:
{خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}[الطارق: 6-7] .
ويذكر العلماء المحدثون “عبد الخالق همت شبانه، 1985” أن المفسرين القدامى ذهبوا إلى أن الصلب هو العمود الفقري للرجل، والترائب هي عظام صدر المرأة، وأن ماء الرجل الدافق يلتقي بماء المرأة الدافق الذين يشتركان في تكوين

الجنين، وهو كلام غير صحيح من منظور العلم الحديث, إلّا أن العلم الحديث ينسب كلًّا من الصلب والترائب إلى الرجل, وهو تفسير يتفق أيضًا مع السياق القرآني، كما يتفق مع العلم الحديث الذي يؤكد أن الحيوان المنوي للذكر يلعب الدور الحاسم في تكوين الجنين كما سنبين فيما بعد.
إلّا أن المني وحده لا يكفي لتكوين الإنسان جنينًا في رحم الأم, وقد أشار القرآن الكريم إلى النطفة باعتبارها المادة التي يتم منها هذا التكوين, وقد وردت كلمة “نطفة” في القرآن الكريم في اثني عشر موضعًا, ومن ذلك قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [يس: 77] .
ويرى عدنان الشريف “1987-1988” أن معنى “النطفة” هنا يجب ألّا يقتصر على المني الذكري “أي ماء الرجل” -وهو المتعارف عليه في بعض التفاسر- وإنما يجب أن يمتد ليشمل ماء المرأة.
وهذا ما يراه أيضًا محمد علي البار “1985”؛ حيث يذكر أن النطفة قد تكون مذكرة أو مؤنثة، والنطفة المذكرة هي جميط الذكر، والنطفة المؤنثة هي جميط الأنثى, ويدعم هذا الرأي أن الخطاب في هذه الآية الكريمة للرجل والمرأة وليس للرجل فقط, كما يدعمه أيضًا الحديث النبوي الشريف الذي يشير إلى نطفة الرجل ونطفة المرأة كما سنبين فيما بعد.
هذه النطفة المذكرة “الحيوان المنوي”, وتلك النطفة المؤنثة “البويضة الأنثوية”, يندمدجان معًا ليتكون من بعض كلٍّ منهما نطقة جديدة مخصبة من كلٍّ منهما, هي التي يسميها علم الأجنة “اللاقحة” أو “الزيجوت”, وهي تمثل الطور الأول من تكوين الجنين كما سنوضح في الباب الثاني فيم بعد, ويعبر القرآن الكريم عن هذه العملية تعبيرًا معجزًا بقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان:2] .
والأمشاج هي الأخلاط الناتجةعن امتزاج ماء الرجل بماء المرأة, وفي هذا تفسير لقةوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13] .
الذي سبق الإشارة إليه, ويذكر محمد علي البار “1986” أن الإعجاز العلمي الباهر لهذه الآية الكريمة يتمثل في أن الباحثين لم يعلموا شيئًا عن النطفة الأمشاج المكونة من نطفة الرجل ونطفة المرأة إلّا عام 1875 على يد هيرتفج

Hertwig, وفي عام 1883 استطاع فان بندن Van Benden أن يثبت الإسهام المتساوي لكلٍّ من الحيوان المنوي والبويضة الأنثوية في تكوين النطفة الأمشاج “اللاقحة أو الزيجوت كما تسمى في علم الأجنة”.
ويتضح الإعجاز العلمي للقرآن في هذ الموضوع إذا علمنا أن أرسطو الذي ظلت آراؤه مسيطرة على الفكر الإنساني لأكثر من ألفي عام, كان يعتقد أن الجنين يتكون من دم حيض المرأة النشط, ولم يقابل هذا الاعتقاد بأي معارضة علمية إلّا من علماء القرآن والحديث المسلمين في العصر الإسلامي على أساس الآيات القرآنية. كما فند القرآن الكريم أيضًا الاعتقاد اليهودي القائل بأن إتيان المرأة في فرجها من جهة ظهرها ينتج عنه طفل أحول, أضف إلى ذلك رفض الاعتقاد الذي ظلَّ سائدًا -حتى قرب نهاية القرن التاسع عشر- وخلاصته أن الجنين كامل التكوين يكون موجودًا بصورة مصغرة في المشيج الذين ينشط عن طريق الحيوان المنوي, وكان هذا كله ضد ما أثبته العلم الحديث الذي وافقت حقائقه آيات القرآن الكريم المعجزة، ابتداء من عام 1858 على يد ردي، ثم عام 1864 على يد باستير، ثم ما أثبته علم الوراثة بعد ذلك حول وجود الجينات “محمد طاهر وآخرون، 1985”.
ويحدد القرآن الكريم موضع النطفة الأمشاج أو اللاقحة في رحم الأم، وهذا ما أجمع المفسرون على معنى قوله -سبحانه وتعالى “القرار المكين” {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون: 13] .
{أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المرسلات: 20-21] .
ويرى عدنان الشريف “1987-1988” أن للقرار المكين ثلاث معانٍ قرآنية تبعًا للمعاني الثلاث للنطفة.
أ- رحم المرأة: بشرط أن يفهم معنى الماء المهين أو النطفة في الآيات القرآنية السابقة بمعنى البويضة المخصبة، والتي تمثل الطور الأول في تكوين الجنين؛ ففي الرحم لا يستقر إلّا هذه البويضة الملقحة, وكل من الحيوانات المنوية والبويضة سرعان ما تموت إذا لم تتلاقح في أنبوب الرحم.
ب- مبيضا المرأة: بشرط أن يفهم الماء المهين أو النطفة بمعنى ماء المرأة في الآيات الكريمة “فمن الوجهة العلمية يستقر ماء المرأة, أي: نطفها, في المبيضين عندها منذ الشهر الرابع من حياتها, حتى تخرج النطف دوريًّا من المبيضين مرةً كل شهر بعد بلوغها سن النضج الجنسي الذي يمتد

عادة بين سن التاسعة وسن السادسة عشرة كحد أدنى وحد أقصى “عدنان الشريف، 1987″1.
ج- الحويصلة المنوية عند الرجل: بشرط أن يفهم معنى الماء المهين أو النطفة بمعنى ماء الرجل, فمن الوجهة العلمية يستقر ماء الرجل الذي تفرزه خصيتاه بصورة دائمة منذ بلوغه سن النضج الجنسي في الحويصلة المنوية2 ويخرج منها وقت الاستمناء.
ويؤكد علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء أن الرحم والمبيضين والحويصلة المنوية هي كلها قرار مكين “أو مكان آمنٍ” لاستقرار النطفة التي تبقى في هذه الأعضاء لوقت معلوم في كل حالة3, والرحم والمبيضان والحويصلة المنوية هي أماكن آمنة لنطف من خلال موضعها في الجسم. فالرحم والمبيضان عند المرأة والحويصلة المنوية عند الرجل تقع في الحوض, وهو عبارة عن جسم عظمى يحيط بها من جميع الجهات، كما أنها معلقة بأحزمة وأربطة متينة ومرنة في نفس الوقت, وهي تتصل بمختلف العضلات والأعضاء الموجودة في الحوض. ويزداد فهمنا للمعنى المعجز للوصف القرآني “القرار المكين” إذا علمنا التفاصيل الدقيقة التشريحية والفسيولوجية للرحم والمبيضين والحويصلة المنوية, وهو ما لا يتسع له نطاق هذا الكتاب، ويمكن للقارئ المهتم الرجوع إلى الكتب الطبية المتخصصة.
2- آيات الله في نمو الإنسان قبل الولادة:
تشير الآيات القرآنية الكريمة بشكل صريح إلى أن نمو الإنسان بعد تكوينه من المادة الأساسية التي يخلق منها، إنما يمر بمراحل يتطور بعضها من بعض ويتلو بعضها بعضًا، وفي ذلك يقول الله تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13-14] .
1 يحوي مبيضا المرأة عادةً ما يقرب من مليوني بويضة عند ولادتها, ولا يبقى منها إلّا ثلاثون ألفًا تقريبًا عند بلوغها النضج الجنسي، ويخرج من المبيض أربعمائة بويضة تقريبًا خلال فترة خصوبة المرأة الممتدة من سن النضج وحتى سن انقطاع الدورة الشهرية.
2 جسيم يشكل خزان, مركزه في أسفل المثانة عند الرجل, يتجمع فيه السائل المنوي الذي تفرزه الخصيتان.
3 هذا الوقت المعلوم قد يكون تسعة أشهر للنطفة المستقرة في الرحم، أو الفترة منذ الشهر الرابع من حياة المرأة إلى سن بلوعها النضج الجنسي, ثم تخرج دوريًّا كل شهر حتى سن انقطاع الدورة الشهرية للنطفة بمعنى البويضة الأنثوية، أو الفترة منذ البلوغ الجنسي للرجل, وتخرج وقت الاستمناء للنطفة بمعنى المني الذكري.

ويقول تعالى أيضًا:
{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: 6] .
ويفصِّلُ القرآن الكريم المراحل التي يمر بها نمو الإنسان في مرحلة الجنين, يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الحج: 6] .
ونعرض في هذه المراحل كما وردت في القرآن الكريم، أما خصائصها العلمية كما كشف عنها العلم الحديث فسوف نتناولها بالتفصيل في الباب الثاني من هذا الكتاب.
أ- مرحلة النطفة:
ورد ذكر النطفة في القرآن الكريم في اثنى عشر موضعًا على ثلاث معانٍ -كما ذكرنا- وهي: النطفة المذكرة والنطفة المؤنثة والنطفة الأمشاج, وهي النطفة المختلطة من الحيوان المنوي والبويضة عندما يتم الإخصاب, والمعنى الثالث هو الذي يمثل المرحلة الأولى من تكوين الجنين ونموه وتطوره.
وتشير الآيات القرآنية الكريمة إلى الدور الحاسم للوراثة مع التكوين الأولي للنطفة, ويعبر القرآن الكريم عن الوراثة بتعبيره البليغ “التقدير”, يقول الله تعالى: {قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} [عبس: 17-19] .
وهذه الحقيقة لم يكتشفها إلّا علم الأجنة والوراثة الحديثين, فلم يتأكد دور الجينات -وهي أجزاء صغيرة من الخلية الحية- إلّا عام 1912, حين أثبت مورجان أن هذه الجينتات تنتقل عبر الحيوان المنوي الذكر والبويضة الأنثوية.
ومن حقائق الوراثة أيضًا التي أشار إليها القرآن الكريم, أن الذكورة والأنوثة في الجنين إنما تكون تابعة لماء الرجل, قال تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} [النجم: 45-46] .
والنطفة التي تمنى هي نطفة الرجل لا ريب؛ إذ ليس للمرأة مني ولا هو من خصائصها1.
1 يرى عدنان شريف “1987-1988” إطلاق لفظ المني على ماء الرجل والمرأة, وفي رأينا أن يقتصر اللفظ على معناه الأصلي وهو ماء الرجل.

وتوجد إشارة قرآنية أخرى إلى ذلك, يقول الله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [القيامة: 36-39] .
والضمير في كلمة “من” يرجع إلى المني, وهو للرجل وليس للمرأة, وهذا حقيقة علمية مؤكدة في علم الوراثة الحديثة, سنوضحها بالتفصيل فيما بعد “في الباب الثاني”.
ب- مرحلة العلقة:
ورد ذكر العلقة في القرآن الكريم في خمسة مواضع, ويحدد علماء الأجنة المحدثون هذه المرحلة بالفترة التي تعلق فيها الكرة الجرثومية بجدار الرحم وتنتهي بظهور الكتل البدنية, والتعبير القرآني عن هذه الرحلة بكلمة “علقة” هو أفضل وأدق وصف لها, وهذا ما سنفصله فيما بعد عند تناولنا لهذه المرحلة في نمو الجنين.
ج- مرحلة المضغة:
ورد ذكر المضغة في القرآن الكريم في موضعين؛ أحدهما في سورة “الحج”, والآخر في سورة “المؤمنون” والمضغة في علم الأجنة الحديث هي مرحلة يشبه فيها الجنين في مظهره لقمة ممضوغة, وتظهر فيها بالفعل ما يشبه آثر أسنان مغروزة, ومرة أخرى فإن التعبير القرآني عن هذه المرحلة بكلمة “مضغة” لا يطابق فقط الوصف العلمي لها في علم الأجنة بل يتفوق عليه, وسوف نفصل ذلك عند عرضنا لهذه المرحلة في الباب الثاني من هذا الكتاب.
ويذكر القرآن الكريم أن هذه المضغة قد تكون مخلقة أو غير مخلقة.
ويفسر بعض العلماء المعاصرين ذلك “عدنان الشريف، 1987-1988” بثلاثة معانٍ هي:
1- خلال مرحلة المضغة يكتمل تكوين الأغشية والحبل السري وجزء من المشيمة, وهي أجزاء من المضغة تحيط بالجنين وتحميه وتغذيه, إلّا أنها تسقط وتموت بعد الولادة، وهي بهذا المعنى تؤلف المضغة غير المخلقة، أما الجزيء الرئيس من المضغة الذي يكون الجنين نفسه, فهو المضغفة المخلقة.

2- خلال مرحلة المضغة تبدأ مختلف أعضاء الجنين في التكوين إلّا أنها لا تكتمل إلّا في المراحل التالية, ومعنى ذلك أن الجنين في هذه المرحلة هو مضغة مخلقة وغير مخلقة في وقت واحد.
3- خلال مرحلة المضغلة تصنف الخلايا إلى قسمين؛ أحدهما خلايا متخصصة تشكل مختلف أعضاء الجنين، وثانيهما خلايا غير متخصصة, أو خلايا الاحتياط التي تتحول إلى خلايا متخصصة تحل محل خلايا القسم الأول عندما تموت, والنوع الأول يؤلف القسم المخلق من المضغة، أما النوع الثاني فهو القسم غير المخلق, إلّا أن المعنى الذي يشير إليه معظم المفسرين للمضغة المخلقة أنها المضغة التي يكتمل تكوينها, وتبدأ فيها أجهزة الجسم في التكوين, أم المضغة غير المخلقة فهي التي لا يكتمل لها التكوين، ويقصد بها السقط كما جاء في تفسير القرطبي, وهو المعنى الذي نفضله هنا بدليل قوله تعالى بعد ذلك مباشرة.
{وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الحج: 5] .
د- مرحلة تكوين العظام والعضلات:
يصف القرآن الكريم عمليات التكوين النهائي للإنسان في قوله تعالى: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون: 14] .
وفي هذه المرحلة تبدأ الخلايا العظمية في التكوين, وتحل محل الخلايا الغضروفية التي كانت موجودة من قبل, كما يتم تكوين العضلات “اللحم” التي تحيط بعظام الجسم, وتساعد على حركتها.
هـ- مرحلة تكوين الطفل السوي “التسوية”:
يقول الله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] .
وقد أجمع المفسرون على أن المقصود من الخلق نفخ الروح في الجنين؛ بحيث يتحرك ويصير له “سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب” “محمد علي البار: 1896”.
فقبل هذه المرحلة يكون الجنين أقرب إلى النبات, ليس له حس أو حركة إرادية، وكل ما فيه فقط حركة النمو والاغتذاء, أما في هذه المرحلة فإن قوى الحس والإدراك والإرادة تتكون فيه، وتتضح هذه الصلة الوثيقة بين نفخ الروح وتكوين الحس والإدراك في قوله تعالى:

{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] .
وتحديد بدء هذه المرحلة له أهمية خاصة، فمتى نفخت الروح حرم الإجهاض حرمة تامة كما أجمع الفقهاء, وتمتد هذه المرحلة حتى الولادة.
ويمكن أن تسمى مرحلة التسوية، أي: إعطاء الشكل الإنساني للجنين، بعد أن كانت الأطوار السابقة من طور النفطة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى الرحم في أطوار “خلق” و”تجميع” و”تعديل في أعضاء الجنين” “عدنان الشريف، 1987-1988”.
وهذه المرحلة هي التي يتميز بها المخلوق البشري عن غيره من المخلوقات؛ فقبلها لا يستطيع علم الأجنة أن يميز بين الجنين وغيره من أجنة الفقاريت الأخرى، كما وجد علم الأجنة المقارن؛ أما عندها فيأخذ الجنين عند الإنسان شكله الإنساني الذي يتميز به عن غيره من الأجنة, ولعل هذا التشابه في الشكل الخارجي بين جنين الإنسان وجنين غيره من الثدييات في مراحل ما قبل التسوية, هو الذي أوقع تشارلز دارووين في خطأه العلمي الفادح في افتراض أن الإنسان “تطور” عن الفقاريات الأخرى, وهو الفرض الذي دحضته العلوم البيولوجية والإنسانية الحديثة, ولعل أكثر هذه الأدلة أهمية ما يطرأ على الجنين الإنسان من تحول كيفي جوهري في مرحلة التسوية، وفي هذا كله إعجاز علمي جديد لكتاب الله الخالد, وصدق الله العظيم في قوله:
{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] .
والتي تعني أيضًا -والله أعلم: أنه خلق مختلف عن جميع المخلوقات الأخرى.
3- آيات الله في نمو الإنسان بعد الولادة:
يذكر القرآن الكريم المراحل التي يمر بها نمو الإنسان بعد الولادة, والملاحظة التي تدهش الباحث العلمي بإعجازها البديع, أن القرآن الكريم لا يفصل بين مرحلتي ما قبل الولادة وما بعدها، وإنما يربط بين المرحلتين برباط وثيق، يوضحه قوله -سبحانه وتعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] .

ثم يحدد القرآن الكريم الحد الأقصى لفترة الرضاعة حتى الفصال “الفطام” بعامين، يقول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] .
ومعنى ذلك أننا لو طرحنا فترة الرضعة هذه ومقدارها 24 شهرًا من الفترة الكلية للحمل والرضاعة “30 شهرًا”, يمكن أن نستنتج أن الطفل يحتاج للبقاء داخل رحم الأم أثناء فترة الحمل إلى فترة زمنية لا تقل عن ستة أشهر حتى يولد ويبقى حيًّا بعد ولادته، وبالطبع, فإن فترة الحمل قد تمتد إلى مدة تمام الحمل “280 يومًا في المتوسط, أو حوالي 40 أسبوعًا”، وهذه المدة من تقدير الله -سبحانه وتعالى, يقول القرآن الكريم في ذلك: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الحج: 5] .
ثم يحدد القرآن الكريم المراحل الثلاث الكبرى للنمو بعد الولادة في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] .
وهذه هي المراحل الكبرى الثلاث لنمو الإنسان.
أ- المرحلة الأولى: الضعف الأول للإنسان:
وهي مرحلة طفولة وصبا طويلة, يصفها القرآن الكريم بأنها مرحلة ضعف، وهو ضعف يشمل أيضًا مرحلة ما قبل الولادة, كما هو واضح من التداخل بين مرحلتي ما قبل الولادة وما بعدها, والذي أوضحناه فيما سبق، ويصفها القرآن الكريم وصفًا مطلقًا بأنها مرحلة “طفولة” في قوله تعالى:
{ … ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا … } [الحج: 5] { … ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طفْلًا … } [غافر: 67] .
وهذا ما تنبهت إليه التشريعات الحديثة للطفولة؛ حيث وسَّعَتْ نطاق المفهوم ليمتد إلى نهاية المراهقة.
ويميز القرآن الكريم في هذه الرحلة الكبرى بين أربعة أطوار فرعية هي:
1- الرضاعة: ومدتها القصوى عامان, كما أوضحت الآيات الكريمة التي عرضناها فيما سبق.

2- الطفل غير المستأذن غير المميز للعورة“: وتمتد من الفصال “الفطام” وحتى سن الاستئذان “التمييز المبكر للعورة”, يقول الله تعالى: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31] .
يقول القرطبي في تفسير ذلك: “أي الأطفال الذين لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع لصغرهم”.
3- الاستئذان المقيد التميز“: وهي المرحلة التي يعقل فيها الطفل معاني الكشفة والعورة ونحوها, يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ} [النور: 58] .
4- الاستئذان المطلقبلوغ الحلم“: وهي مرحلة هامة تتحدد فيها مستويات قريبة من مستويات الكبار؛ حيث الاستئذان على وجه الإطلاق وليس لفترات محددة كما هو واضح من الآية السابقة، والتي يتبعها قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59] .
ثم يطلق القرآن الكريم “الاستئذان” باعتباره محكًّا للسلوك الإنساني الناضج، فيقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 62] .
ب- المرحلة الثانية: قوة الإنسان:
وهي مرحلة التحول إلى الرشد، ويصفها القرآن الكريم بالقوة, وقسَّمَها إلى ثلاثة أطوار فرعية هي:

1- بلوغ السعي: يقول الله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] .
ويذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن في تفسير ذلك، فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمر دنياه معينًا له على أعماله.
قال مجاهد: أي شبَّ وأدرك سعيه سعي إبراهيم, ويضيف الحسن ومقاتل أن السعي هذا هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة.
2- بلوغ الرشد:
يقول الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] .
وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن الرشد يعني: الاهتداء إلى ضبط الأموال “باعتباره المؤشر الأساسي للنضج الاجتماعي” وحسن التصرف فيها, والصلاح وسداد الرأي، وففيه جمع بين القوتين، قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وقوة المعرفة وهو إيناس الرشد، فلو مُكِّنَ اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول قوة البدن لأذهبه في شهواه وبقي صعلوكًَا, ومن الإشارات القرآنية اللطيفة هنا طلب “إيناس” الرشد والتعرف على علاماته ومؤشراته، وهذا يعني أن الرشد ليست له حدود زمنية محددة يصل إليها الجميع في زمن واحد.
3- بلوغ الأشد1 “اكتمال الرشد”:
يقول الله تعالى: { … ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ … } [الحج: 5] { … ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ … } [غافر: 67] .
ويذكر القرطبي في هذا الصدد أن بلوغ الأشد هو بلوغ القوة، وقد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولابد من حصول الوجهين, فإن الأشد وقعت هنا مطلقة وتعني -والله أعلم- البلوغ على إطلاقه, وهو هنا البلوغ الجنسي والجسمي والعقلي وهو معنى الرشد.
1 يقال بلغ أشده, أي: قوته، وهو مفرد، أو جمع لا واحد له من لفظه، أو جمع اختلف في مفرده.

وقد أشار القرآن الكريم إلى الأشد بمعنى الرشد في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] .
إلّا أن القرآن الكريم يحدد تحديدًا صريحًا في موضعٍ واحدٍ معنى الأشد بمعنى اكتمال الرشد؛ حيث يصبح في هذه الحالة طور المسئوليات الكبرى، بقول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} [الأحقاف: 15] .
ولعل هذا هو ما يشير إليه القرآن الكريم -والله أعلم- بمرحلة الكهولة, يقول الله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46] .
{إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [المائدة: 110] .
ويذكر القرطبي أن الكهولة فيها مجتمع الأشد، وهي سن التكليف بالمسئوليات الكبرى، فقد كُلِّفَ الرسل بحمل الرسالة في هذا السن.
ج- المرحلة الثالثة: الضعف والشيبة:
على الرغم من أن هذه المرحلة هي مرحلة ضعف، إلّا أنه ضعف مختلف عن الضعف الأول السابق على الرشد، فالقرآن الكريم يضيف إلى هذه المرحلة وصف “الشيبة”, والتي تحمل معنى الخبرة والحكمة إلى جانب التقدم في السن.
ويقسِّم القرآن الكريم هذه المرحلة الكبرى إلى طورين هما:
1- مرحلة الشيخوخة: يقول الله تعالى: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا} [غافر: 67] .
2- مرحلة أرذل العمر “الهرم” يقول الله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5] .
ويذكر القرآن الكريم شواهد كثيرة على خصائص مرحلة “الضعف والشيبة”.

وكذلك خاصية انقطاع خصوبة المرأة والرجل، يقول تعالى: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72] .
{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [النور: 60] .
وانتكاس الخصائص النفسية والجسمية المختلفة إلى مراحل سابقة، وخاصة عند أولئك الذين يبلغون من العمر أرذله، يقول الله تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} [يس: 68] .
وفقدان القدرة على العلم “أو نقص القدرة على التعلم” وخاصة عند المعمرين الذين يبلغون مرحلة الهرم أو أرذل العمر, يقول تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5] . [النحل: 70] .
وقد نَبَّه القرآن الكريم إلى أن هذه المرحلة فيها اعتماد جديد، كما كان الحال في مرحلة الطفولة والصبا، إلّا أن الاعتماد في مرحلة الضعف الأولى كان على الوالدين، أما الاعتماد في مرحلة الضعف الثاني فلا مناص من أن يكون على الأبناء، ومعنى ذلك أن هذه المرحلة هي أقرب إلى رد دين الأبناء إلى الوالدين، وكما تحددت حقوق الأبناء على والديهم في المرحلة الأولى، يحدد القرآن الكريم حقوق الوالدين على أبنائهم في المرحلة الثانية, يقول تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] .
وقد قرن القرآن الكريم الإحسان إلى الوالدين بعبادة الله -سبحانه وتعالى, فقد ورد القول القرآني:”لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا” في المواضع الآتية [البقرة: 83، 233] ، [النساء: 36] ، [الأنعام: 151] ، [الإسراء: 23] ، [مريم: 214] ، [العنكبوت: 8] ، [لقمان: 14] ، [الأحقاف: 15، 17] ، [إبراهيم: 41] ، [نوح: 28] .

ثانيًا: النمو الإنساني في السنة النبوية الشريفة

السنة النبوية المطهرة, وهي ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أقوال وأفعال وتقارير, هي تفصيل لما أجملته آيات الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العزيز، وهي السلوك العملي والممارسة الفعلية لمبادئ الإسلام كما حددها القرآن الكريم, وقد ورد في الحديث الصحيح إشارات إلى تفصيل بعض ما أجمله القرآن الكريم في مجال النمو الإنساني, نتناولها فيما يلي:
1- في مرحلة ما قبل الولادة:
“أ” يوضح الحديث الشريف طبيعة النطفة الذكرية بقوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الذي أخرجه مسلم: “ما من كل الماء يكون الولد” , ومعنى ذلك أن الجنين يتكون من جزء يسير من المني, وفي هذا تفصيل لمعنى الآية القرآنية {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} والسلاسلة كما أشرنا في القسم الأول من هذا الفصل تعني الخلاصة، والماء المهين هو المني.
ب- كما يحدد الحديث النبوي طبيعة المضغة المخلقة وغير المخلقة، فقد روي عن عبد الله بن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره, وذكره ابن رجب في “جامع العلوم والحكم”, وابن القيم في “طريق الهجرتين” أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “النُّطفة إذا استقرَّتْ في الرَّحم جاءها مَلَكٌ فأخذها بكفه، فقال: أي ربِّ، مخلَّقة أم غير مخلَّقة؟ فإن قيل: غير مخلَّقة، لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام، وإنْ قيل: مخلَّقة، قالَ: أي ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثرُ؟ وبأيِّ أرضٍ تموتُ؟ ” وفي هذا الحديث الشريف تفصيل صريح لمعنى المضغة غير المخلقة بأنها تعني السقط.
ج- وإذا كانت النطفة المؤنثة لم ترد صريحة في القرآن الكريم, فقد أوردتها السنة المطهرة تفصيلًا لآيات الله في كتابه العزيز, فقد أخرج مسلم في مسنده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لليهودي الذي سأله من أيّ شيء يخلق الإنسان؟ “يا يهودي: من كلٍّ يخلق، من نطفة الرجل ونطفة المرأة” وفي هذا توضيح صريح لطبيعة النطفة الأمشاج, والتي أجمع المفسرون على أنها تعني نطفة الرجل ونطقة المرأة إذا اجتمعا.
ويتضح الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة المطهرة في هذا السياق إذا درسنا معتقدات الأطباء حتى زمن متأخر جدًّا بعد عصر البعثة النبوية الشريفة, والتي يرويها ابن حجر العسقلاني الذي عاش بين عامي 773

هـ ,520هـ “أي: بعد تسعة قرون من الرسالة المحمدية” يقول: “زعم كثير من أهل التشريح أن منيّ الرجل لا أثر له في الولد إلّا في عقدة, وأنه إنما يتكون من دم الحيض” وقد كانت هذه هي نظرية أرسطو الأساسية في تكوين الجنين, وقد فند ابن حجر هذه المزاعم في ضوء الأحاديث النبوية الشريفة؛ لأنها صريحة في الإشارة إلى أن الولد إنما يخلق من نطفة المرأة ونطفة الرجل “محمد على البار، 1986”.
د- جاء في الصحيحين البخاري ومسلم عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ؟ أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ؟ أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ؟ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ”.
وأشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي ورد في الصحيحين أيضًا عن عبد الله بن مسعود إلى الفترة الزمنية التي يقضيها الجنين في مراحل نموه المختلفة في قوله: “إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا, ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ, وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ” ومعنى الحديث الشريف أن الجنين ينمو في مراحل ثلاث هي: تجميع الخلق وتستمر40 يومًا، وتكون العلقة والمضغة وتستمر ما قبل 120يومًا، والجنين المكتمل التكوين يبدأ من بعد ذلك, وتستمر حتى لحظة الوضع والولادة.
كما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم: “إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا”.
ومن جوانب الإعجاز العلمي في السنة النبوية المطهرة -فيما يتصل بهذين الحديثين الشرفين- ما أكده علم الأجنة من أن انقضاء أربعين يومًا يعد شرطًا جوهريا حتى تتمايز النطفة “اللاقحة” أو”الزيجوت” من خلية واحدة إلى جنين طوله سنتيمتر واحد تجتمع فيه جميع الإمكانات اللازمة للتمايز العادي وظهور جميع الأعضاء الأساسية، ومع بلوغ الجنين يومه الثاني والأربعين تبدأ العظام في التكوين، ويبدأ الجنين في النمو السريع Simpsan, et al, 1985 & Persaud, أي أن الحدود الزمنية لبداية التخليق التي جاءت في الحديثين الشريفين “40 يوما” و”42 ليلة” لم يكتشفها العلم الحديث إلّا بعد انقضاء أربعة عشر قرنًا.
2- مراحل النمو بعد الولادة:

أ-0 يحدد الحديث النبوي مراحل ما بعد الولادة, فقد ورد في الحديث الصحيح, عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “الغلام يعق عنه -أي: تذبح عنه العقيقة- يوم السابع، ويسمى، ويماط عنه الأذى، فإذا بلغ ست سنين أدب، فإذا بلغ تسع سنين عزل فراشه، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضرب على الصلاة، فإذا بلغ ست عشرة سنة زوجه أبوه، ثم أخذ بيده وقال: “قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك، أعوذ الله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة، ويذكر الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” أن هذا الحديث أخرجه أبو الشيخ بن حيان في كتاب “الضحايا والعقيقة” إلّا أنه قال: “وأدبوه لسبع، وزوجوه لسبع عشرة”.
وفي هذا الحديث الشريف تمييز واضح بين المراحل الآتية:
1- مرحلة الوليد “الأسبوع الأول من حياته”.
2- مرحلة ما قبل التمييز: ما قبل سن السادسة “وفي أحاديث صحيحة أخرى ما قبل سن السابعة”.
3- مرحلة التمييز: وهي التي يبدأ فيها تأديب الطفل “أو تعليمه المنظم”.
4- مرحلة البلوغ الجنسي: وعندها يبدأ التكليف بالعبادات.
5- مرحلة الرشد: ومؤشرها الأساسي الزواج.
ب- وتحدد أحاديث نبوية أخرى مؤشرًا هامًّا لسن التمييز وهو الأمر بالصلاة، ومنها الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود أن الرسول -عليه السلام قال: “مروهم بالصلاة لسبع, واضربوهم عليها لعشر, وفرقوا بينهم في المضاجع” ومعنى ذلك: أن حقوق الله تعالى تصحّ عن الصبي المميز؛ كالأيمان والصلاة والصيام والحج، ولكن لا يكون ملزمًا بأداء العبادات إلّا على مهمة التأديب والتهذيب، ولا يستتبع فعله عهدة في ذمته، فلو شرع في صلاة لا يلزمه المضي فيها، ولو أفسدها لا يجب عليه قضاؤها” “وهبة الزحيلي، 1984”.
ج- وتحدد أفعال الرسول -عليه السلام- وأقواله الشريفة طرق معاملة الوالدين للأبناء ومنها:

1- حسن أدب الطفل وحسن اختيار اسمه, يقول -عليه الصلاة والسلام: “من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه”، أخرجه البيهقي.
2- المساواة في المعاملة: يقول -صلى الله عليه وسلم: “ساووا بين أولادكم في العطية”.
3- الرحمة والرأفة بالصغير: فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ, فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ” متفق عليه في البخاري ومسلم.
وكذلك رأى الأقرع بن حابس النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقبل ولده الحسين بن علي -رضي الله عنهما- فقال: “إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا, فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ” أخرجه البخاري ومسلم عن حديث لأبي هريرة.
وقال عبد الله بن شداد: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد،, فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر, فلما قضى صلاته قالوا: قد أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أنه قد حدث أمر، فقال: “إن ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته” رواه النسائي والحاكم.
د- تحدد الأحاديث النبوية الشريفة حقوق الوالدين على الولد, فقد قال -عليه السلام: “لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ” أخرجه مسلم.
وقال أيضًا: “بر الوالدين أفضل من الصلاة والصدقة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله”.
وقال أيضًا: “بر أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك”. أخرجه النسائي وأحمد والحاكم.
3- في الوراثة والبيئة:
أ- يشير الحديث الصحيح إلى أن الوراثة تتحدد مع تكوين الجنين, يقول -صلى الله عليه وسلم: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله

تعالى كل نسب بينها وبين أدم؟. أخرجه ابن جرير, وقد أشرنا في القسم السابق إلى أن التقدير الوراثي على مستوى الجينات لم يكتشف إلّا في مطلع القرن العشرين.
ب- من الأحاديث الصحيحة التي تؤكد أهمية الوراثة في تكوين الجنين ونموه قوله -صلى الله عليه وسلم: $”تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس” أخرجه ابن ماجه والديلمي, كما أكدت أحاديث صحيحة أخرى دور البيئة, ومنها قوله -عليه الصلاة والسلام: “إياكم وخضراء الدمن” قالوا وما خضراء الدمن؟ قال: “المرأة الحسناء في المنبت السوء” أخرجه الدارقطني, وقد كشفت البحوث الحديثة في ميدان وراثة السلوك الأثر التفاعلي لكل الوراثة والبيئة.
ج- سبقت الأحاديث النبوية الشريفة العلم الحديث في الإشارة إلى ظاهرة الصفات المتنحية التي لم يكشف عنها العلم الحديث أيضًا إلّا في القرن العشرين, فقد أُثِرَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رجلًا من الأنصار أقبل عليه فقال له: يا رسول الله هذه بنت عمي, وأنا فلان حتى عدَّ عشرة من آبائه, وهي ابنة فلان حتى عدَّ عشرة من آباء ها, وليس في حسبي ولا في حسبها حبشي، وإنها وضعت هذا الحبشي, فأطرق النبي -عليه السلام- ثم رفع رأسه وقال له: “إن بك تسعة وتسعين عرقًا، ولها تسعة وتسعين عرقًا, فإذا اشتملت اضطربت العروق, وسألت الله -عز وجل- كل عرق منها أن يذهب الشبه إليه, قم فإنه ولدك، ولم يأتك إلّا من عرق منك أو عرق منها”.
وفي حديث آخر عن أبي هريرة قال: “جاء رجل من بني فزاره إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ولدت امرأتي غلامًا أسود, وهو يعرض بأن ينفيه, فقال رسول الله عليه السلام: “هل لك من إبل؟ ” قال: نعم, قال: “ما ألوانها؟ ” قال: حمر, قال: “هل فيها من أروق -أسمر أو ما كان لونه كلون الرماد؟ ” قال: إن فيها لورقًا, قال: “فأنى أتاها ذلك؟ ” قال: عسى أن يكون نزعه عرق, قال: “فهذا عسى أن يكون نزعه عرق”, ولم يخرص له في الانتفاء منه” متفق عليه عند البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة والدارقطني.
د- الفطرة -ومن شواهدها الوراثة- لا تعمل في فراغ بيئي، وأهم البيئات التي تؤثر في نمو الطفل الأسرة, لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه … “.
وفي هذا كشف نبوي شريف آخر لحقائق

التفاعل بين البيئة والوراثة.
هـ- وجهت السنة الشريفة نظام الأسرة بحيث تصبح بيئة صالحة لنمو الأطفال, وهناك ثروة هائلة من الأحاديث النبوية الصحيحة حول نظام الأسرة الإسلامي, تفيض بها كتب الفقه الإسلامي، ويمكن للمهتم الرجوع إليها في مصادرها الأصلية.

ثالثًا: النمو الإنساني عند الصحابة:

ثالثًا: النمو الإنساني عند الصحابة:

من المأثور عن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وهم مدرس النبوة- أقوال في مجال النمو الإنساني نذكر منها ما يلي:
1- مراحل ما قبل الولادة:
يذكر ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم أن قومًا كانوا عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقالوا: إن قومًا زعموا أن العزل هو الموؤدة الصغرى، فقال علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه: “لا تكون موؤدة حتى تمر على التارات السبع، تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظامًا، ثم تكون لحمًا، ثم تكون خلقًا آخر, فلقال عمر: صدقت, أطال الله بقاءك”.
2- دور الوراثة:
رُوِيَ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: “لا تنكحوا القرابة القريبة, فإن الولد يخلق ضاويًا”, وقال أيضًا: “اغتربوا لا تضووا” ولا يصح رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم, وفي هذا تنبيه لخطر زواج الأقارب لأسباب وراثية لم يكشف عنها العلم الحديث إلّا في القرن العشرين أيضًا.
3- مراحل النمو بعد الولادة:
ورد في الأثر “لاعب ابنك سبعًا, وأدبه سبعًا, وصادقه سبعًا, ثم أطلق له الحبل على الغارب” ولا يصح رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، وإنما صحَّ عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه.
وقال الإمام علي بن أبي طالب أيضًا: “علموا أولادكم على غير شاكلتكم, فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”. وفي هذا سبق تربوي رائع لم يتنبه إليه المربون إلّا في النصف الثاني من القرن العشرين, حين أكدوا مفاهيم المرونة والتعليم المستمر مدى الحياة.
رابعًا: النمو الإنساني في الفقه الإسلامي

يطلق مصطلح “الفقه” على مجموعة الأحكام الشرعية العملية في الإسلام, وتطلق كلمة “الفقيه” على الشخص العارف بهذه الأحكام التي تتصل في جوهرها بسلوك الناس وأفعالهم, وقد ظهرت الحاجة إليه مع إقامة الدولة الإسلامية على يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة, وكان الفقه في العهد النبوي مأخوذًا من كتاب الله وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم.
وفي عهد الخلفاء الراشدين كانت مصادر الفقه كتاب الله وسنة رسول الله -عليه السلام, وكانوا إذا سُئِلُوا عن مسألة بحثوا فيها, فإن وجدوا حكمها أفتوا به، وإن لم يجدوه اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم, واجتهدوا في إعطاء الحكم، فإن وجدوا لها نظيرًا في كتاب الله أو سنة رسوله ألحقوا حكم المسألة السابقة، وهذا هو القياس الذي مارسه بعض القضاة والولاة في عهد الرسول -عليه السلام, وإن لم يجدوا سعوا إلى الاتفاق على هذا الحكم, ويُسَمَّى ذلك إجماعًا، وإلّا ظل اجتهادًا, ولم يظهر الإجماع إلّا بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم.
وفي عهد التابعين كانت مصادر الفقه الإسلامي هي: القرآن الكريم والسنة والنبوية وإجماع المجتهدين وقياسهم، وهذه هي الأدلة الأصلية التي تستفاد منها الأحكام الشرعية العملية كما يسميها علماء أصول الفقه، وهي الأدلة التي اتفق عليها جماهير علماء المسلمين, وقد ظهرت في العصور المختلفة أدلة أخرى, يسميها علماء أصول الفقه الأدلة الفرعية للتشريع الإسلامي، وقد اختلف حولها الفقهاء، وهي ستة: العرف والاستصحاب والمصالح المرسلة “الاستصلاح” وسد الذرائع والاسحسان وقول الصحابيّ وشرع من قبلنا. وهذه الأدلة اختلف العلماء فيها، فهناك من يقصر مصادر التشريع الإسلامي على الأدلة الأصلية فقط, ولا يرى مصدرًا غير الكتاب والسنة والإجماع والقياس, ومن العلماء مَنْ رأى أن المصادر الفرعية يمكن استخدامها, وهناك خلاف حول حجية كلٍّ منها.
وقد أنجز فقهاء المسلمين طوال تاريخ الحضارة الإسلامية ثروة هائلة من المعرفة, وابتكروا وسائل للبحث والتقصي والاستدلال, وخاصة في عصور الاجتهاد الزاهرة, والسؤال الذي نطرحه هنا، لماذا أُغْلِقَ باب الاجتهاد في بعض العصور المتأخرة؟ ويجيب على السؤال محمد الخضري في كتابه الكلاسيكي “أصول الفقه” بأنه حين دخل ميدان الاجتهاد مَنْ ليس أهلًا له, خاف العلماء من أن تأتي الأحكام الشرعية نتيجة للأهواء والأغراض الشخصية, فاختاروا أهون الضررين وهو سد هذا الباب أمام هؤلاء الأدعياء, إلّا أن ما يجب التنبيه عليه أن ذلك لم يكن

ليعني أن الاجتهاد كان له زمن معين انتهى بانتهائه, وإنما معناه وقف التدهور مؤقتًا، لما لحق الهمم من القصور عن تحصيل ما يجب على المجتهد تحصيله.
ويجيب على هذا السؤال أيضًا بعض المحدثين “محمد عبد القادر أبو فارس وآخرون، 1985″ بأن باب الاجتهاد مفتوح لكل من يملك آلته, ولا يملك إنسان أن يسده، ذلك لأنه يجد للناس من الحوادث والنوازل ما لم يفت به الفقهاء المجتهدون، وهي بحاجة إلى معرفة الحكم الشرعي فيه ليلتزم الناس به, ولا يكون هذا إلّا إذا كان باب الاجتهاد مفتوحًا”.
وقد قدَّم فقهاء المسلمين الكثير في ميدان النمو الإنساني، ولا يكاد يخلو باب من أبواب الفقه الإسلامي من الإشارة إلى نمو الإنسان على نحوٍ أو آخر.
وسوف يتناول هذا القسم بعض ما توافر لنا في هذا الصدد.
1- في مرحلة ما قبل الولادة:
أجمع الفقهاء على تحريم الإجهاض حرمة تامة متى نفخت الروح, حتى ولو كان الجنين مشوهًا أو غير ذلك، ولم يسمحوا بذلك إلّا إذا كانت الأم في خطر، فقدَّموا حياتها على حياته, أما ما عدا ذلك فلا يجوز الإجهاض على وجه الإطلاق بعد نفخ الروح, وقد أجمعوا أيضًا على أن وقت نفخ الروح يتم عند إكمال الجنين 120يومًا من حياته داخل الرحم, لحديث ابن مسعود الذي أخرجه الشيخان.
ويذكر وهبة الزحيلي “1984” أن للعلماء كلام طويل في التوفيق بين هذا الحديث وحديث حذيفة بن أسيد الذي أخرجه مسلم في كتاب القدر “حديث الاثنتين والأربعين ليلة”، وخلاصة رأيهم أن التخليق يحصل في العلقة، ويتم بعد ذلك في المضغة، وأما نفخ الروح والتسوية فلا يكون إلّا بعد اكتمال المضغة.
ويتصل بهذه المرحلة أيضًا تناول الفقهاء لموضوع عدة المرأة المطلقة والأرملة, والمقصود بها مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها منعًا لاختلاط الأنساب، أو للتعبد, أو لتفجعها على زوجها الميت، أو إعطاء الفرصة الكافية للزوج بعد الطلاق ليعود إلى زوجته المطلقة, وهي مدة حددها الشارع بحيث تبقى المرأة فيها بدون زواج, ويميز الفقهاء في هذا الصدد بين ثلاثة أنواع:
أ- عدة الطلاق: يقول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] . ومعنى القروء “وهي جمع قرء” ما يشترك بين الطهر والحيض، والمقصود بذلك عند الحنفية والحنابلة الحيض،

ويرى المالكية والشافعية أنه الطهر, ويشترط في الزوجة هنا أن تكون ممن يحضن.
ب- عدة الوفاة: يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] . وفي ذلك يرى الفقهاء أن المقصود الأعظم من العدة هنا حفظ حق الزوج والوفاء له, إلى جانب معرفة براءة الرحم, ولهذا اعتبرت عدة الوفاة بالأشهر, وتجب حتى على المتوفى عنها زوجها حتى ولو لم يدخل بها.
ج- عدة الصغيرة واليائس والحامل: لقول الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] وهنا يحدد القرآن الكريم عدة الحامل المؤكد حملها أن تضع حملها، أما عدة الصغيرة واليائس فهو ثلاثة أشهر.
ويحدد الفقهاء لمرحلة الجنين من بدء الحمل وحتى الولادة ما يسمى “أهلية الوجوب الناقصة” وتعني: الصلاحية لثبوت الحقوق فقط, أي: أن هذه الأهلية تجعله موضوعًا لإلزام الآخرين نحوه، وليس موضعًا للالتزام من جانبه بشيء, وفي هذا تتحدد له أربعة حقوق ضرورية هي:
أ- النسب من والديه.
ب- الميراث من قريبه المورث؛ فيوقف له أكبر النصيبين على تقدير كونه ذكرًا أو أنثى.
ج- استحقاقه الوصية الموصى له بها.
د- استحقاقه حصته من غلات الوقف الموقوف عليه.
ويرى الفقهاء “وهبة الزحيلي، 1984” أن الحقوق المالية الثلاثة الأخيرة ليست للجنين فيه ملكية نافذة في الحال، بل تتوقف على ولادته حيًّا, فإن وُلِدَ حيًّا تثبت له ملكية مستندة إلى وقت وجود سببها، أي: بأثر رجعي, وإن ولد ميتًا رُدَّ نصيبه إلى أصحابه المستحقين له.
وهناك سببان لنقص الأهلية للجنين؛ أولهما: أن الجنين جزء من أمه، وثانيهما: أنه متهيأ للانفصال والاستقلال عنها بعد اكتمال تكوينه, ولهذا أثبت له الفقه الإسلامي بعض الحقوق الضرورية النافعة له، وهي التي لا تحتاج إلى قبول, أما تلك التي تحتاج إلى قبول “كالشراء والهبة” فلا تثبت له ولو مارسها عنه وليه

أو الوصي عليه “كالأب أو الجد” لأنها تلزمه وهو ليس أهلًا للالتزام, وخلاصة رأي الفقهاء في مرحلة الجنين أن له “ذمة ناقصة تؤهله لاكتساب بعض الحقوق فقط، وليست له ذمة كاملة صالحة لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات” “وهبة الزحيلي، 1984”.
2- في مراحل ما بعد الولادة:
منذ ولادة الشخص حيًّا تثبت له -كما يقول الفقهاء- أهلية الوجوب الكاملة، أي: تصبح لديه الصلاحية لثبوت الحقوق له وتحمل الواجبات، أي: أهلية إلزام والتزام جميعًا, وأهلية الوجوب الكاملة هذه لا تفارق الإنسان مطلقًا في جميع أدوار حياته, ولا يوجد إنسان حيّ فاقد لهذه الأهلية.
إلّا أن الفقهاء يميزون بين التصرفات الواجبة قبل سن التمييز وتلك الواجبة بعده, ومن ذلك أن أهلية الوجوب ولو كانت كاملة إلّا أنها ليس لها أثر في بعض التصرفات قبل هذا السن “مثل إنشاء العقود”, كما لا يجب على الطفل غير المميز شيء من العبادات الدينية, أما الحقوق الثابت له بعد الولادة فهي التي تنشأ له نتيجة التصرف الذي يمكن للولي أو الوصي أن يمارسه نيابة عنه، وأما الالتزامات الواجبة عليه فهي كل ما يستطيع أداؤه عنه من ماله؛ سواء من حقوق الله؛ كالزكاة, أو حقوق العباد؛ كالنفقات, ويطلق الفقهاء على المرحلة منذ الولادة وحتى سن التمييز اسم “الحضانة”.
ومع التمييز تنشأ ما يسميه الفقهاء أهلية الأداء، وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات عنه أو لمباشرتها على وجه يُعْتَدُّ به شرعًا, وهي ترادف ما يسمى في المصطلح الحديث “المسئولية”, وتشمل حقوق الله من صلاة وصوم وحج وسواها، والتصرفات القولية والفعلية الصادرة عن الشخص. وعلى هذا فمن تثبت له أهلية الأداء، بهذا المعنى، صحت عباداته الدينية؛ كالصلاة وتصرفاته الدينية؛ كالعقود, وبالطبع لا وجود لهذه الأهلية للجنين أصلًا، ولا للطفل قبل بلوغ سن التمييز، كما قلنا.
ويفرق الفقهاء بين نوعين من أهلية الأداء:
1- أهلية أداء ناقصة: وهي صلاحية الشخص لصدور بعض التصرفات عنه دون البعض الآخر, وتثبت للشخص مع بدء التمييز وحتى سن البلوغ الجنسي, ويفرق بالنسبة للصبي في هذا السن بين حقوق الله وحقوق العباد.
أما حقوق الله “العبادات” فتصح من الصبي المميز ولا يكون ملزمًا

بأدائها إلا على مهمة التأديب والتهذيب “التعليم المنظم”, أما حقوق العباد فقد اختلف حولها الفقهاء على نحوٍ لا يتسع له المقام, ويمكن للقارئ المهتم الرجوع إلى كتب المتخصصين في الفقه الإسلامي على مختلف المذاهب.
ب- أهلية أداء كاملة: وهي صلاحية الشخص لمباشرة التصرفات على وجهٍ يُعْتَدُّ به شرعًا دون توقف على رأي غيره، وتثبت عند بلوغ الحلم عاقلًا، أي: للبالغ الرشيد، فله بموجبها ممارسة كل الأفعال والأقوال من غير توقف على إجازة أحد غيره؛ كالولي أو الوصي, كما يكون مسئولًا مسئولية كاملة عن كل ما يقترفه من مخالفات شرعية أو اعتداءات مادية أو معنوية على الآخرين.
إلّا أن الفقهاء ينبهون إلى وجود مرحلة تقع بين البلوغ الجنسي والبلوغ عاقلًا “الرشد”، وهي ما تسمى مرحلة البلوغ “أو المراهقة بالمصطلح الحديث”، وفيهما يكون الشخص مكلفًا بجميع التكاليف الشرعية, وتكتمل لديه أهلية الأداء الدينية، فتنفذ تصرفته المالية وتسلم إليه أمواله, فإذا لم يؤنس منه الرشد، فيظل تحت وصاية الولي في هذه الأمور.
وهكذا يصبح الرشد أكمل مراحل الأهلية، ومعناه عند الفقهاء: “حسن التصرف في المال من الوجهة الدنيوية”، وشرطه الأساسي البلوغ، ويضيف بعض الفقهاء الصلاح في أمور الدين والدنيا، ويتوافر بتحقق الخبرة بتدبير الأمور الدنيوية, وحتى استثمارها، وهو أمر يختلف بالطبع باختلاف الأشخاص والبيئة والثقافة، فقد يرافق البلوغ, وقد يتأخر عنه قليلًا أو كثيرًا، وقد يتقدمه, ولكن لا اعتبار له قبل البلوغ, ومرجعه إلى الاختبار والتجربة عملًا بالآية القرآنية الكريمة {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى…..} الآية. “وهبة الزحيلي، 1984”. وهكذا لا يكون للرشد سن معينة عند جمهور الفقهاء، وإنما الأمر متروك لاستعداد الشخص وتربيته وتنشئته وبيئته، وليس في النصوص الشرعية تحديد صريح له, ويرى بعض علماء الفقه الإسلامي المحدثون أن رفع سن الرشد إلى 21 سنة، كما هو الحال في معظم القونين الحديثة، يتفق مع ظروف الحياة التي نعيشها اليوم وما طرأ عليها من تعقد في المعاملات تحتاج إلى مزيد من الخبرة، ولا مانع في الشريعة الإسلامية من ذلك عملًا بما تقتضيه المصلحة في حماية الناشئة, وصيانة تصرفاتهم.

ولعل ما يهمنا أيضًا في هذا الصدد -ونحن نتناول مراحل النمو الإنساني- أن نشير إلى ما يشير إليها الفقهاء بحالة مَنْ بلغ رشيدًا ثم صار سفيهًا, وفيها قال جمهور الفقهاء “باستثناء أبي حنفية” والصاحبان “أبو يوسف ومحمد, وبرأيهما يُفْتَى في المذهب الحنفي” أنه يجوز الحجر على السفيه “أي يمنع نفاذ تصرفاته التي تحتمل الفسخ ويبطلها الهزل؛ كالبيع والإجارة والرهن”1 رعايةً لمصلحته ومحافظةً على ماله, حتى لا يكون عالة على غيره, ويكون حكمه حينئذ حكم الصبي المميز، لقوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] .
وقوله أيضًا: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .
مما يدل على ثبوت الولاية على السفيه ولو كان قد بلغ الرشد, إلّا أن الحَجْرَ على السفيه في هذه الحالة لا يكون إلّا بحكم قضائي يتثبت فيه القاضي من السفيه أو التبذير، منعًا من إلحاق الضرر بالسفيه أو بمن يتعامل معه من غير بينة وفهم لطبيعة حاله, وهذا هو رأي أبي يوسف والشافعي وأحمد ومالك.
وهكذا يمكن أن نلخص مراحل النمو الإنساني كما تناولها الفقهاء على النحو الآتي:
أ- مرحل الجنين القابل للإجهاض: من بدء الحمل وحتى سن 120 يومًا.
ب- مرحلة الجنين ذي أهلية الوجوب الناقصة: من بدء الحمل وحتى الولادة.
ج- مرحلة الحضانة: وتبدأ من وقت الولادة حتى سن التمييز.
د- مرحلة الطفولة: وتبدأ من سن التمييز وحتى البلوغ الجنسي.
هـ- مرحلة البلوغ “أو المراهقة بالتعبير الحديث”: وتبدأ من البلوغ الجنسي إلى وقت الرشد.
و مرحلة الرشد: وتبدأ بالتحقق من قدرة الشخص على التصرف في أموره الدنيوية، وسن الرشد بهذا المعنى يختلف حسب الأشخاص والبيئات والثقافات.
ز- مرحلة مَنْ بلغ رشيدًا ثم صار سفيهًا: وتتطلب الحجر بحكم قضائي، وهي حالة غير عادية عند الراشدين، وقد تكون عادية عند من يبلغون مرحلة أرذل العمر “الهرم”.
1 أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز الحجر على التصرفات التي لا تحتمل الفسخ ولا يبطلها الهزل؛ كالزواج والطلاق والرجعة والخلع.

المصادر :

كتاب نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين
[آمال صادق]

……………………………………………………………………………………………..


اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *